فيديو عمره 11 عاماً يعود إلى الواجهة... هل تستلزم معركة العفو ضرب صورة الجيش؟
لم يكن الفيديو الذي أعيد تداوله خلال الساعات الماضية ضد الجيش اللبناني جديداً، كما قد يوحي توقيت نشره والانتشار الواسع الذي حققه على مواقع التواصل. فالمقطع الذي نشرته قناة "الجديد" أمس، وأعادت تداوله حسابات معروفة بقربها من التيارات الإسلامية، بينها حسابات طارق شندب وكيندا الخطيب، يعود في الواقع إلى أكثر من أحد عشر عاماً، ويظهر أحد عناصر الجيش وهو يتعامل بعنف مع أحد الموقوفين داخل مستشفى.
إعادة إخراج هذا الفيديو من أرشيف قديم لوضعه في التداول في هذا التوقيت تطرح سؤالاً أساسياً عن الغاية من إحيائه الآن، ولا سيما أن عودته تتزامن مع النقاش السياسي والنيابي حول اقتراح قانون العفو العام، مع الملاحظات التي أبدتها المؤسسة العسكرية على الصيغة المطروحة ورفضها الصيغة الأخيرة بالمطلق، وخصوصاً ما يتعلق بالمحكومين أو الموقوفين في ملفات تتصل بقتل عسكريين أو الاعتداء على الجيش.
ضرب صورة المؤسسة العسكرية
الرسالة التي يمكن استخلاصها من إعادة نشر الفيديو لا تبدو منفصلة عن معركة العفو. فبدلاً من الخوض مباشرة في نقاش قانوني حول من يشمله العفو ومن ينبغي استثناؤه، يجري تقديم الجيش أمام الرأي العام على أنه مؤسسة تمارس الظلم والتعنيف، بما يضرب صورته كمرجعية وطنية جامعة ويحوّل النقاش من هل يستحق هؤلاء العفو؟ إلى هل يحق للجيش الاعتراض أصلاً؟
هنا تكمن أهمية التوقيت.
فالجيش، بحسب مصادره، لا يعترض على مبدأ معالجة الملفات أو إنهاء حالات التوقيف التي يمكن أن يشملها القانون، وإنما يتمسك بعدم الإفراج عمن تلوثت أيديهم بدماء العسكريين، باعتبار أن هناك فرقاً بين معالجة ملفات قضائية أو سجنية، وإصدار عفو عن جرائم استهدفت المؤسسة العسكرية وأفرادها.
ومن هذه الزاوية، يصبح الفيديو القديم أداة في معركة سياسية وإعلامية أكبر: إظهار الجيش باعتباره طرفاً قاسياً أو ظالماً أو متورطاً في ممارسات غير أخلاقية، بما يضعف حجته عندما يطالب باستثناء فئات معينة من العفو.
ولا تقف الرسالة عند حدود اتهام عنصر عسكري بسوء المعاملة. فطريقة تقديم الفيديو وإعادة تداوله تحملان أيضاً محاولة لإعادة وضع الجيش في إطار صورة مؤسسة مرتبطة بالنظام السوري السابق، أو مؤسسة تنفذ ممارسات قمعية في حق الموقوفين.
وهذا النوع من الخطاب يوجَّه تحديداً إلى جمهور كان على تماس مباشر مع ملفات الإسلاميين والموقوفين في لبنان خلال مرحلة نفوذ النظام السوري، ويعيد فتح ذاكرة تلك المرحلة في لحظة يجري فيها التفاوض على قانون عفو يمكن أن يطاول عدداً من هذه الملفات.
بمعنى آخر، لا يجري فقط استخدام فيديو قديم، بل إعادة تركيب رواية سياسية قديمة في سياق جديد: الجيش ليس مؤسسة وطنية جامعة، بل طرف في نزاع سياسي وأمني، وبالتالي فإن اعتراضه على العفو يمكن تصويره على أنه موقف انتقامي وليس موقفاً مؤسسياً مرتبطاً بحماية العسكريين وحقوقهم.
حتى الخلافات العائلية!
اللافت أكثر أن تداول الفيديو لم يبقَ محصوراً في النقاش السياسي، بل دخلت عليه أيضاً روايات شخصية وعائلية.
فقد ظهر أحد المحكومين بالإعدام في قضية قتل نصري الماروني، سليم عاصي، ليؤكد صلته بأحد الأشخاص الظاهرين في الفيديو، باعتبار أن العسكري هو ابنه، معلناً تبرؤه منه، من دون التثبت من هذا الأمر. فالرجل وضع رقم هاتف على صفحته على أساس أنه رقم ابنه المتهم، ليتضح لاحقا زيف الرقم.
وهنا تصبح القصة أبعد من مجرد فيديو قديم. فإعادة نشر مقطع عمره أكثر من عقد، وربطه بوقائع اليوم، ثم إدخال روايات شخصية وعائلية وأسماء محكومين وموقوفين على خطه، كلها عناصر تجعل من الصعب اعتباره مجرد تداول عفوي لمادة أرشيفية.
من يضغط على من؟
في المحصلة، لا يمكن الجزم من مجرد تداول الفيديو بأن هناك قراراً مركزياً من جهة سياسية واحدة بإطلاق حملة على الجيش. ولكن يمكن الملاحظة أن إعادة نشره جاءت في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى قانون العفو العام، وأن مضمونه يخدم خطاباً يريد تقديم المؤسسة العسكرية بصورة الطرف الظالم الذي لا ينبغي الأخذ بملاحظاته.
وهذا يقود إلى السؤال السياسي الأهم: هل تحوّل الضغط لإقرار العفو إلى معركة على صورة الجيش؟
فالجيش، في هذه المعادلة، هو الجهة التي تملك أحد أهم مفاتيح الاعتراض على شمول بعض الجرائم بالعفو، ولا سيما تلك التي طاولت عسكريين. ولذلك فإن ضرب صدقية المؤسسة العسكرية يمكن أن يصبح، سياسياً وإعلامياً، وسيلة للضغط على موقفها.
المشكلة هنا ليست في أن يُفتح ملف قديم أو أن تتم محاسبة أي عسكري يثبت ارتكابه تجاوزاً. فهذا أمر مشروع وضروري. المشكلة تبدأ عندما يُنتزع فيديو عمره أكثر من أحد عشر عاماً من سياقه، ويعاد تقديمه في لحظة سياسية محددة، ثم يُستخدم لتكوين حكم شامل على مؤسسة كاملة وعلى موقفها من قانون العفو.
نبض