من روما إلى جنوب الليطاني: إيطاليا تحجز مقعدها في اليوم التالي للاتفاق
لم يعد الدور الإيطالي في الملف اللبناني يقتصر على استضافة جولات التفاوض بين لبنان وإسرائيل، بل بدأ يتخذ أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز توفير منصة للحوار . فالرسالة التي وجهها وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى نظيره الإيراني عباس عراقجي، مؤكداً أن لطهران دوراً أساسياً في وقف عمليات "حزب الله"، لم تكن مجرد موقف ديبلوماسي، بل عكست توجهاً إيطالياً للانخراط في رسم معالم المرحلة التي تلي تثبيت وقف النار.
فبينما تقود الولايات المتحدة المسار التفاوضي، تعمل روما على تثبيت موقعها شريكا أوروبيا في التنفيذ، مستفيدة من حضورها التاريخي في "اليونيفيل" وعلاقاتها المتوازنة مع واشنطن وبيروت وطهران. وبذلك، لم تعد تستثمر فقط في نجاح المفاوضات، بل في الدور الذي يمكن أن تؤديه بعد الوصول إلى أي اتفاق.
من "اليونيفيل" إلى آلية التنفيذ
بحسب مصادر مطلعة مواكبة للمفاوضات، يجري تداول أفكار تعطي إيطاليا دوراً ميدانياً في مرحلة تنفيذ التفاهمات، من بينها مساهمة قوة إيطالية متخصصة في التحقق من انتشار الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني بعد استكمال انتشاره، ضمن آلية داعمة للتنفيذ، لا تحل محل الجيش اللبناني ولا تنتقص من صلاحياته.
وتشير المصادر إلى أن هذه الأفكار لا تزال في إطار البحث ولم تتحول إلى اتفاق نهائي، إلا أنها تعكس رغبة لدى بعض الأطراف في الاستفادة من الخبرة الإيطالية وحضورها العسكري الطويل في الجنوب، ولا سيما أن روما تُعدّ من أكثر الدول الأوروبية انخراطاً في مهمة "اليونيفيل".
جنوب الليطاني وشماله
تؤكد المصادر أن النقاش في أيّ دور إضافي يبقى محصوراً حتى الآن بمنطقة جنوب الليطاني، لكونها تقع ضمن نطاق الترتيبات الأمنية القائمة ومنطقة عمليات "اليونيفيل". ووفق هذه القراءة، فإن أيّ آلية تحقق في هذه المنطقة لا تمثل تغييراً في قواعد اللعبة بقدر ما تشكل امتداداً لآليات التنفيذ والمراقبة.
وبحسب المعلومات، فإن "حزب الله" لا يبدي اعتراضاً على أيّ دور يبقى ضمن هذا الإطار الجغرافي، لكنه يتمسك في المقابل باعتبار شمال الليطاني خطاً أحمر، حيث يرفض أيّ ترتيبات أمنية أو رقابية خارجية، ويرى أن أيّ معالجة هناك يجب أن تكون نتيجة اتفاق لبناني داخلي، وبعد استكمال الانسحاب الإسرائيلي وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
علي الطاهر: رسالة تتجاوز الميدان
تقرأ المصادر في هذا السياق، ما جرى أخيراً في تلال علي الطاهر باعتباره مؤشراً لهذه المقاربة. فوفق قراءتها، لم يتعامل "حزب الله" مع الملف من زاوية سياسية أو تفاوضية، بل رسم حدوداً ميدانية واضحة، ثم ترجمها عملياً على الأرض، في رسالة مفادها أن هامش المرونة يبقى محصوراً في إطار التفاهمات المتعلقة بجنوب الليطاني، فيما يبقى أي انتقال إلى شمال النهر خارج دائرة القبول.
وترى المصادر أن الرسالة الأساسية كانت تؤكد أن الحزب يميز بين منطقة تدخل ضمن ترتيبات دولية قائمة، وأخرى يراها شأنا لبنانيا داخليا لا يقبل بأي آليات خارجية قبل توافر شروط سياسية وأمنية مختلفة.
روما تبحث عن دورها
لا تبدو إيطاليا اليوم في وارد منافسة الولايات المتحدة على إدارة المفاوضات، لكنها تسعى إلى تثبيت نفسها شريكاً رئيسياً في تنفيذ أيّ تفاهمات مقبلة. كما أنها لا تنافس فرنسا على قيادة الملف السياسي، بقدر ما تحاول استثمار ثقلها داخل "اليونيفيل" وعلاقاتها مع مختلف الأطراف للحصول على دور عملي في المرحلة التالية.
من هنا، يمكن فهم الاتصال الذي أجراه تاياني بعراقجي لكونه جزءاً من محاولة إيطالية لبناء شبكة تفاهمات مع جميع اللاعبين المؤثرين، انطلاقاً من اقتناع بأن نجاح أيّ اتفاق لن يتوقف على التفاهمات اللبنانية - الإسرائيلية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى تفاهمات إقليمية تضمن استمراره.
وبذلك، قد تكون روما بدأت بالفعل الانتقال من دور المضيف إلى دور الشريك في التنفيذ. لكن نجاح هذا التحول سيبقى مرتبطاً بمدى قبول مختلف الأطراف به، وبقدرته على البقاء ضمن السقوف السياسية والأمنية التي ترسمها التفاهمات القائمة، ولا سيما عند الخط الفاصل بين جنوب الليطاني وشماله.
نبض