علي الطاهر... التلة التي تختبر وقف النار وحدود الدولة
ليست تلال علي الطاهر مجرد مرتفع يطلّ على النبطية ووادي الليطاني. في الحسابات العسكرية، تمثل التلال إحدى أبرز العقد الجغرافية في القطاع الشرقي من جنوب لبنان. أما في الحسابات السياسية، فقد تحولت إلى اختبار فعلي لاتفاق وقف إطلاق النار، وللقدرة على الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة احتكار الدولة للسلاح جنوب الليطاني.
خلال الأشهر الماضية، بدا المشهد الميداني في الجنوب محكوماً بإيقاع ثابت. إسرائيل واصلت عملياتها في النقاط التي لا تزال تسيطر عليها، من تجريف للأراضي، وتفجير للمنشآت، واستحداث لمواقع وتحصينات، فيما تجنب "حزب الله" في معظم الأحيان الانخراط في ردود عسكرية مباشرة، التزاماً بسقف يمنع انهيار وقف إطلاق النار، ويحول دون العودة إلى مواجهة شاملة.
لكن هذا الإيقاع تبدّل عند تلال علي الطاهر؛ فاستهداف جرافة إسرائيلية بمسيّرة أثناء اقترابها من إحدى النقاط الحسّاسة في التلال لم يُقرأ باعتباره حادثاً معزولاً، بل رسالة ميدانية واضحة بأن هذه المنطقة لا تدخل في الحسابات نفسها التي تحكم بقية المواقع المحتلة.
لا يوجد اتفاق معلن يمنح إسرائيل حرية الحركة في مناطق معينة مقابل الامتناع عن دخول علي الطاهر. لكن مراقبة السلوك الميداني للطرفين تفتح الباب أمام قراءة مختلفة: إسرائيل تتحرك في المواقع المحتلة من دون اعتراض مباشر، بينما يظهر أن الاقتراب من علي الطاهر يلامس خطاً أحمر لا يزال "حزب الله" متمسكاً به.

عقدة عسكرية تتجاوز قيمة المرتفع
السبب لا يرتبط بالارتفاع الجغرافي وحده، على الرغم من أهميته. فالتلال تشرف على النبطية وإقليم التفاح ووادي الليطاني ومحور الخردلي والطرق المؤدية إلى البقاع، ما يمنحها قدرة استثنائية على الرصد والسيطرة النارية. لكن قيمتها الحقيقية، وفق تقديرات عسكرية ، تكمن في أنها تشكّل جزءاً من البنية الدفاعية التي بناها الحزب منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.
وتشير تقديرات عسكرية متعدّدة إلى أن المنطقة تضمّ شبكة واسعة من التحصينات والمنشآت العسكرية تحت الأرض، تشمل غرف قيادة وسيطرة، ومستودعات للأسلحة والذخائر، ومواقع للرصد والاتصالات، إضافة إلى ممرات وأنفاق تربط بين عدد من المرتفعات في القطاع الشرقي. في حين لم يؤكد الحزب رسمياً هذه المعطيات، لكنها تفسر إلى حد بعيد الإصرار الإسرائيلي المستمر على استهداف المنطقة، كما تفسر في المقابل تمسك الحزب بها.
ومن هنا، فإن أي محاولة للوصول إلى هذه المنشآت، إذا كانت موجودة بالفعل، لا تعني مجرد السيطرة على مرتفع جغرافي، بل تعني المساس بإحدى أهم العقد التي تستند إليها المنظومة العسكرية للحزب جنوب الليطاني. وهذا ما يفسّر، وفق هذه القراءة، لماذا جاء الرد عند علي الطاهر تحديداً، بينما لم تشهد مواقع أخرى الرّد نفسه رغم استمرار النشاط الإسرائيلي فيها.
رسائل الميدان... هل وُلدت قواعد اشتباك جديدة؟
تكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية في ضوء المرحلة الجديدة التي دخلها الجنوب. فواشنطن تعمل على تطوير آليات مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، فيما توسّع الدولة اللبنانية والجيش انتشارهما جنوب الليطاني، مع تشديد المجتمع الدولي على حصر السلاح بيد الدولة. وفي هذا السياق، لم تعد علي الطاهر مجرد ملف عسكري، بل أصبحت جزءاً من اختبار أكبر يتعلق بقدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل المنطقة، مع رفض "حزب الله" التخلي عن المواقع التي يعتبرها ركائز أساسية في بنيته الدفاعية.
ومن غير المستبعد أن تكون التلال إحدى أكثر النقاط حساسية في أي مرحلة لاحقة من تنفيذ الترتيبات الأمنية. فإذا كان الانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي لا تزال تحتلها يمثل استحقاقاً قائماً، فإن السؤال الأكثر تعقيداً سيكون: ماذا سيحدث داخل المواقع التي يُعتقد أنها تضم بنية عسكرية للحزب؟ وهل ستكون الدولة اللبنانية، ممثلة بالجيش، صاحبة الكلمة الفصل في إدارتها، أم أن هذا الملف سيبقى موضع شد وجذب بين الضغوط الدولية وحسابات الحزب الأمنية؟
لهذا، إن ما جرى في علي الطاهر يتجاوز حادثة استهداف جرافة أو رد~ محدود بمسيّرة. إنه مؤشر إلى أن الجنوب دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها المواجهة تدور فقط حول خطوط التماس، بل حول ما تبقى من العقد العسكرية التي ستحدّد شكل المرحلة المقبلة. وإذا كانت إسرائيل تعتبر أن تفكيك هذه العقد شرط لاستكمال أهدافها الأمنية، فإن "حزب الله" يبدو - حتى الآن - غير مستعد للتعامل معها كأي موقع آخر. ومن هنا، قد تتحول تلال علي الطاهر إلى واحدة من أكثر النقاط تأثيراً في رسم مستقبل الجنوب، لأنها تختصر في بقعة جغرافية صغيرة الصراع بين منطق الدولة، ومتطلبات الترتيبات الدولية، وإصرار الحزب على الاحتفاظ بما يعتبره آخر ركائز منظومته الدفاعية جنوب الليطاني.
نبض