سوريا تعود شريكة لا دولة مهيمنة: دراسة تضع دمشق مجدداً في قلب المعادلة
استعادت دمشق أهميتها الجيوسياسية بلا شك، لكنها لم تستعد بعد أدوات القوة التي تسمح بتحويل هذه الأهمية إلى نفوذ إقليمي واسع.
منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، انصبّ الاهتمام على سؤال واحد: كيف تخرج سوريا من أزمتها؟ أما اليوم، وبعد سنوات من الاستنزاف العسكري والسياسي والاقتصادي، فبدأ السؤال يتغير تدريجاً ليصبح: ما الدور الذي يمكن أن تضطلع به سوريا في الشرق الأوسط الجديد؟
تعيش المنطقة مرحلة إعادة تشكيل غير مسبوقة: الحرب في الشرق الأوسط، وتراجع نفوذ طهران في عدد من الساحات، والانفتاح العربي على دمشق، والتحركات الدولية لإعادة ترتيب ملفات الأمن والطاقة والحدود، كلها عوامل دفعت عدداً من مراكز الأبحاث إلى إعادة تقييم موقع سوريا في المعادلة الإقليمية.
في هذا السياق، أصدر مركز الجزيرة للدراسات دراسة رأت أن التطورات المتسارعة قد تعطي دمشق فرصة لاستعادة موقع محوري في المرحلة المقبلة، ليس بالمعنى الذي عرفته المنطقة قبل عام 2011، وإنما من خلال دور جديد تفرضه الجغرافيا السياسية وحاجة القوى الإقليمية والدولية إلى شريك قادر على المساهمة في إدارة ملفات شديدة الحساسية.
ماذا تقول الدراسة؟
تنطلق الدراسة من فرضية أن سوريا، رغم ما تعرضت له خلال سنوات الحرب، لم تفقد أهميتها الإستراتيجية. فموقعها الجغرافي ما زال يجعلها عقدة وصل بين المشرق العربي وشرق المتوسط، كما أنها تمسك بملفات لا يمكن تجاوزها، من أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى عودة اللاجئين، مروراً بمشاريع الطاقة والنقل، وصولاً إلى أي ترتيبات أمنية تخص لبنان والعراق والأردن وحتى العلاقة مع إسرائيل.
وتلاحظ الدراسة أن التحولات الأخيرة منحت دمشق فرصة لم تكن متاحة خلال السنوات الماضية، في ظل تبدل أولويات الولايات المتحدة، والانفتاح العربي المتدرج عليها، وتراجع النفوذ الإيراني نتيجة التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة، ما قد يجعل سوريا لاعباً أساسياً في مرحلة إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
وتشير إلى أن لبنان سيكون الساحة الأولى لاختبار هذا الدور، نظراً إلى تشابك الملفات بين البلدين، سواء على مستوى الحدود، أو النزوح، أو الأمن، أو العلاقات الاقتصادية، وهي ملفات لا يمكن أيّ تسوية إقليمية أن تتجاهلها.
وفي خلاصة الدراسة، تبدو دمشق مرشحة للعودة إلى قلب المعادلة الإقليمية، ولكن عبر دور مختلف عن ذلك الذي مارسته خلال العقود الأخيرة، يقوم على الشراكة في إدارة الأزمات أكثر مما يقوم على ممارسة النفوذ المباشر.
بين الجغرافيا والقدرة
لا يمكن الإنكار أن الدراسة تلامس جانباً مهماً من الواقع. فسوريا استعادت بالفعل جزءاً من أهميتها الجيوسياسية، ليس لأنها خرجت من الحرب أقوى، بل لأن المنطقة نفسها أصبحت أكثر حاجة إليها. فلا أحد يستطيع معالجة ملف الحدود، أو مكافحة التهريب، أو تنظيم عودة اللاجئين، أو ضمان الاستقرار في المشرق من دون دور سوري، مهما كانت طبيعة النظام القائم في دمشق.
ولكن في المقابل، تبدو الدراسة أكثر تفاؤلاً في تقدير سرعة ترجمة هذه الأهمية إلى نفوذ سياسي وإقليمي واسع.
فالنفوذ لا تصنعه الجغرافيا وحدها، بل يحتاج إلى اقتصاد متماسك، ومؤسسات قوية، واستقرار داخلي، وقدرة على التأثير السياسي والمالي. وهذه كلها عناصر لا تزال سوريا تعمل على استعادتها بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على الحرب.
والحال أن الاقتصاد السوري يعاني تحديات هائلة، والبنية التحتية تحتاج إلى استثمارات ضخمة، والعقوبات الغربية لا تزال تحد من فرص إعادة الإعمار، فيما يستمر وجود قوات أجنبية على أجزاء من الأراضي السورية، بما يعني أن الدولة لم تستعد بعد كامل سيادتها، الأمر الذي يحد من قدرتها على التحرك بحرية كلاعب إقليمي.
إلى ذلك، فإن البيئة الإقليمية نفسها تغيرت جذرياً. فالمشرق العربي لم يعد يشبه ما كان عليه قبل عام 2011، والعلاقات العربية لم تعد تُدار بمنطق المحاور التقليدية، بل بمنطق المصالح والتوازنات. كما أن القوى الإقليمية، من تركيا إلى دول الخليج، أصبحت تمتلك أدواراً مختلفة عما كانت عليه قبل خمسة عشر عاماً، ما يجعل أيّ دور سوري مستقبلي محكوماً بقواعد جديدة، وليس استعادةً لمرحلة مضت.
أما لبنان الذي تعتبره الدراسة بوابة العودة السورية، فهو الآخر تغيّر. فمن الصعب تصور عودة العلاقة إلى النموذج الذي ساد عقودا، ولكن من الواقعي جداً الحديث عن تعاون متزايد بين الدولتين في الملفات التي تفرضها الوقائع، كترسيم الحدود، وضبط المعابر، ومكافحة التهريب، وعودة النازحين، والتبادل التجاري، وهي ملفات ستجعل من التنسيق أمراً لا مفر منه، ولكن ضمن إطار مختلف عن الماضي.
سوريا تعود... ولكن إلى أي دور؟
لعلّ أبرز ما في الدراسة أنها تطرح سؤالاً مشروعاً عن موقع سوريا في النظام الإقليمي الجديد، إلا أن الإجابة تبدو أكثر تعقيداً مما توحي به.
فدمشق استعادت أهميتها الجيوسياسية بلا شك، لكنها لم تستعد بعد أدوات القوة التي تسمح بتحويل هذه الأهمية إلى نفوذ إقليمي واسع. وهناك فارق كبير بين دولة تفرض حضورها لأن موقعها يجعلها جزءاً من الحل، ودولة تمتلك القدرة على قيادة التوازنات وصياغة سياسات المنطقة.
لذلك، فإن الأقرب إلى الواقع هو أن سوريا تتجه إلى استعادة دورها كـ"شريك لا يمكن تجاوزه" في ملفات الأمن والحدود واللاجئين والاقتصاد، لا كدولة مهيمنة على القرار الإقليمي. وهذا في ذاته تطور مهم، لكنه يختلف جذرياً عن الصورة التي عرفتها المنطقة قبل عام 2011.
في المحصلة، تبدو دراسة مركز الجزيرة للدراسات محقة في الإشارة إلى أن سوريا تعود تدريجاً إلى قلب المعادلات الإقليمية، لكنها تبالغ في تقدير سرعة هذه العودة وحجمها. فالجغرافيا أعادت دمشق إلى الطاولة، لكن الاقتصاد، والاستقرار الداخلي، والعقوبات، وشكل النظام الإقليمي الجديد، هي التي ستحدد في النهاية حجم الدور الذي ستؤديه في السنوات المقبلة. وبين العودة إلى الإقليم والعودة إلى النفوذ، تبقى مسافة لا تزال دمشق مطالبة باجتيازها.
نبض