استعجال المصرف المركزي يقابله تلكؤ قضائي؟
كان لافتاً أن حاكم المصرف المركزي كريم سعيد أثار موضوع استرداد الأموال في شكل غير مباشر من المجلس الاقتصادي والاجتماعي أول من أمس عندما تناول المسألة من باب عرضه المسهب والمفصل للمسار الذي سلكه المركزي منذ تسلمه مهماته، بعد توصيفه للأزمة، فقال إنه "يتعاون بصورة كاملة مع السلطات القضائية ويضع في تصرفها كل ما يجيزه القانون من معلومات وتحليلات مالية دعماً لأي ملاحقة قضائية". كذلك أعلن تعاونه "مع سلطات قضائية أجنبية في سويسرا وفرنسا وألمانيا ولوكسمبور وليشتنشتاين وبريطانيا وغيرها من الدول التي تشهد إجراءات قضائية مرتبطة بأموال لبنانية محولة بصورة غير شرعية". وحرص سعيد على توضيح الصورة في ظل ما يتم تداوله عن استعادة الدولة الأموال لتغذية خزينتها، فأكد أن "أيّ أموال يتم استردادها من خلال هذه الإجراءات تعود إلى المودعين. فهي ليست مورداً للدولة يمكن إعادة توجيهه أو التصرف به".
وكان سعيد أطلق المسار القضائي مطلع السنة بإعلانه مباشرة المصرف إجراءات قانونية وقضائية في لبنان والخارج، "تستهدف أي شخص طبيعي أو معنوي يثبت أنه اختلس أموال المصرف أو أساء استعمالها أو بددها، أو سهّل أو شارك في ذلك"، مؤكداً أن الهدف هو "استرداد الأموال التي استُخدمت أو حُوّلت بصورة غير مشروعة من داخل المصرف أو خارجه، وتثبيت حقه القانوني في جميع الأموال التي وُضعت بتصرف الحكومات المتعاقبة حتى عام 2023، تمهيدا لاستعادة الأصول وتوفير السيولة اللازمة للوفاء بحقوق أصحابها الشرعيين". وعرض الإجراءات المتخذة داخليا، مشيرا إلى أنه تقدّم بشكوى جزائية في حق مسؤول سابق في المصرف، وشخص طبيعي كان مصرفيا سابقا، من دون الادعاء على أيّ مصرف تجاري. وبيّن أن الاستيلاء على أموال المصرف جرى عبر إنشاء أربع شركات وهمية في جزر الكايمن، ما أدى إلى إثراء غير مشروع للمدعى عليهما ولآخرين سيكشفهم التحقيق القضائي تباعا. وقرر اتخاذ صفة الادعاء الشخصي في دعوى عالقة أمام القضاء تتعلق بالاستيلاء على أموال عائدة له، ومرتبطة بشركة يُشتبه في أنها تقاضت عمولات غير مشروعة على العمليات التي أجريت مع المصرف. وقد سددت المصارف التجارية هذه العمولات عن عمليات تداول أوراق مالية، في حين كان يفترض أن تعود لمصلحة المصرف، إلا أنها حُوّلت بالكامل إلى الجهة المعنية. وأكد الحاكم أن المصرف بات اليوم طرفا فاعلا في هذه القضية بصفته المتضرر المباشر، إضافة إلى متابعته دعاوى أخرى سبق أن اتخذ فيها صفة الادعاء الشخصي ضد مسؤول سابق كبير في المصرف بالتعاون مع محاميين سابقين. وأشار إلى التحضير لاتخاذ إجراءات قانونية إضافية في حق جهات وشركات محددة، غير المصارف التجارية، استفادت من حساب مشبوه فُتح لدى المصرف تحت مسمى "حساب الاستشارات"، واستُخدم أداة لإساءة استعمال ممنهجة.
توفير المعلومات
توازيا، كشفت مصادر في المركزي أنه استجاب لطلبات النيابة العامة المالية وقام بتوفير ما يقارب كامل المعلومات المطلوبة المتعلقة بالمصارف التجارية، بما في ذلك البيانات الخاصة بالتحويلات المالية التي أجراها مصرفيون ومساهمون في المصارف قبل اندلاع الأزمة. وهو يعمل بتنسيق وتعاون وثيقين مع النيابة العامة التمييزية في جميع الدعاوى والإجراءات القانونية المرفوعة في حق مسؤولين سابقين في المصرف المركزي وبعض المصرفيين، ممن تُوجَّه إليهم اتهامات بالإثراء غير المشروع الناتج من اختلاس أموال تعود إلى مصرف لبنان، وبالتالي إلى المودعين.
وعليه، فإن أي مزاعم تتحدث عن عدم التعاون هي مزاعم باطلة ومختلقة ولا تستند إلى أيّ أساس من الصحة، علماً أن مصرف لبنان لم يتخلّف يوماً عن تلبية أيّ طلب صادر عن السلطات القضائية، وليس لديه أي سبب يدفعه إلى ذلك. كما أن من يدّعون خلاف ذلك يخلطون بين من لديهم ما يخفونه ومن يلتزمون التزاماً كاملاً مبادئ الشفافية والإفصاح والتعاون مع القضاء.
[email protected]
نبض