اتفاق الدوحة: هل أنقذ الطائف أم كشف أزمته؟
لم يكن اتفاق الدوحة مجرد تسوية سياسية أنهت أزمة داخلية في لبنان عام 2008، بل شكّل محطة مفصلية أعادت طرح السؤال حول طبيعة النظام اللبناني نفسه: هل جاء الاتفاق لإنقاذ اتفاق الطائف أم أنه كرّس واقعاً سياسياً جديداً تجاوزه عملياً؟
في ذلك الوقت، كان لبنان يعيش فراغاً رئاسياً وشللاً حكومياً وانقساماً حاداً بين فريقي الثامن والرابع عشر من آذار، وسط احتقان مذهبي متصاعد ومؤسسات دستورية عاجزة عن إنتاج أي حل. أما أحداث السابع من أيار، فقد كشفت هشاشة التوازنات الداخلية، وأظهرت أن البلاد باتت على حافة انفجار شامل.
وسط هذا المشهد، جاءت الدوحة كتسوية ضرورة هدفها منع الانهيار، لا إعادة بناء النظام السياسي. فالخطر يومها لم يكن فقط أزمة حكم، بل تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي وصيغة العيش المشترك.
الطائف… أزمة التطبيق لا النص
لفهم حقيقة ما فعله اتفاق الدوحة، لا بد من العودة إلى اتفاق الطائف نفسه، الذي لم يكن مجرد اتفاق لإنهاء الحرب الأهلية، بل مشروعاً لإعادة تنظيم السلطة في لبنان.
فالطائف نقل البلاد من مرحلة “الرئيس القوي” إلى الحكم الجماعي داخل مجلس الوزراء، وأعاد توزيع الصلاحيات بين الرئاسات، وكرّس المناصفة، كما طرح إصلاحات سياسية وإدارية وقضائية وانتخابية واسعة.
لكن الأزمة الأساسية لم تكن في النصوص، بل في تطبيقها. فالنظام الذي نشأ بعد الطائف بقي قائماً على توازنات دقيقة ورعاية إقليمية ودولية. ومع خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005، بدأت التناقضات داخل النظام بالظهور بصورة حادة، وبرز السؤال الأساسي: هل يمكن حكم لبنان بمنطق الأكثرية العددية، أم أن تركيبته الطائفية تفرض الشراكة الدائمة؟
الدوحة… تكريس للديمقراطية التوافقية
الدراسة الدستورية للدكتور صالح طليس تعتبر أن اتفاق الدوحة لم ينسف الطائف، بل أعاد تفسيره وفق منطق "الديمقراطية التوافقية".
فالنظام اللبناني، بحسب هذه المقاربة، لا يمكن أن يُدار بمنطق الغلبة السياسية، لأن أي شعور بالإقصاء لدى مكوّن أساسي يهدد الاستقرار الداخلي. ومن هنا جاء اتفاق الدوحة ليكرّس عملياً مبدأ الشراكة الكاملة ومنع أي فريق من الانفراد بالسلطة.
ولهذا السبب برز مفهوم "الثلث الضامن"، الذي منح المعارضة آنذاك قدرة فعلية على تعطيل القرارات الأساسية داخل الحكومة، ما نقل النظام عملياً من منطق “حكم الأكثرية” إلى منطق "إدارة التوازنات".
ويرى طليس أن هذا التطور لم يكن خروجاً عن روح الطائف، لأن الطائف نفسه نقل السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وربط القرارات الكبرى بالتوافق أكثر مما ربطها بالحسم العددي.
نظرية الضرورة وتجاوز النصوص
واحدة من أبرز محطات اتفاق الدوحة كانت انتخاب قائد الجيش آنذاك العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، رغم القيود الدستورية المتعلقة بانتخاب موظفي الفئة الأولى.
لكن القوى السياسية لجأت يومها إلى ما يُعرف بـ"نظرية الضرورة"، أي اعتماد حلول استثنائية عندما تصبح الدولة مهددة بالانهيار. وهنا يرى طليس أن النظام اللبناني يلجأ دائماً، في لحظات الأزمات الكبرى، إلى تسويات سياسية تتقدم على النصوص الدستورية حفاظاً على الكيان ومنع الانفجار.
جهاد إسماعيل: التعارض الوحيد كان انتخابياً
من جهته، يعتبر الدكتور جهاد إسماعيل أن اتفاق الدوحة بقي محصوراً بعناوين محددة وآنية، أبرزها انتخاب رئيس للجمهورية، تشكيل حكومة وحدة وطنية، واعتماد قانون 1960 للانتخابات.
ويشير إلى أن اتفاق الطائف كان أشمل بكثير، إذ تضمّن إصلاحات مستقبلية سياسية وإدارية ودستورية، إضافة إلى اعتماد المحافظة دائرة انتخابية، بينما أعادت الدوحة العمل بالقضاء والدائرة الصغرى وفق النظام الأكثري.
لكن إسماعيل يرى أن هذا التعارض فقد قيمته لاحقاً بعد اعتماد قوانين انتخابية جديدة قائمة على النسبية. كما يشدد على أن الاتفاقات السياسية لا تصبح ملزمة دستورياً إلا عندما تتحول إلى نصوص قانونية واضحة، مستنداً إلى قرارات المجلس الدستوري التي أكدت أن وثيقة الوفاق الوطني لا تكتسب قوة دستورية إلا ضمن ما أُدخل منها إلى الدستور.
هل كشفت الدوحة أزمة النظام؟
نجح اتفاق الدوحة في منع الانهيار عام 2008، وأعاد إطلاق المؤسسات الدستورية، لكنه في المقابل كرّس واقعاً سياسياً قائماً على التعطيل المتبادل والتوافق الإجباري.
ومنذ ذلك الحين، دخل لبنان أكثر في مرحلة “الدولة التوافقية المعطّلة”، حيث لا يستطيع أي فريق الحكم وحده، ولا تستطيع المؤسسات العمل من دون تسويات شاملة.
لذلك، قد يكون الوصف الأدق أن اتفاق الدوحة لم ينسف الطائف، لكنه كشف أزمته البنيوية، وأظهر أن النظام اللبناني لا يزال عاجزاً عن إنتاج استقرار دائم عبر مؤسساته الدستورية وحدها، وأنه يحتاج عند كل أزمة كبرى إلى تسوية سياسية تمنع الانفجار… من دون أن تعالج أصل المشكلة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الأمن العام اللبناني ينفي... ما علاقة "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني؟
نبض