العفو العام... هل انفجرت الألغام السياسية مجددا؟

سياسة 12-05-2026 | 08:39

العفو العام... هل انفجرت الألغام السياسية مجددا؟

التأجيل لم يكن تقنياً، بل بدا انعكاساً مباشراً لتشابك الحسابات السياسية والطائفية حول قانون تحوّل من نقاش قانوني إلى اختبار توازنات وطنية دقيقة
العفو العام... هل انفجرت الألغام السياسية مجددا؟
جانب من النقاشات داخل اللجان المشتركة
Smaller Bigger

لم يكن ينقص ملف العفو العام سوى تأجيل جديد حتى تتكرّس حقيقة أنّ هذا القانون الذي يُفترض أن يطوي واحداً من أكثر الملفات حساسية في لبنان، بات مادة انفجار سياسي وطائفي وأمني مفتوح.

فجأة، أُرجئت جلسة اللجان النيابية المشتركة التي كانت مقرّرة أمس الإثنين، من دون تحديد موعد جديد، رغم أنّ الأسابيع الماضية شهدت اجتماعات متلاحقة ومحاولات حثيثة لتدوير الزوايا والتوصل إلى تسوية قابلة للمرور في الهيئة العامة لمجلس النواب.
التأجيل لم يكن تقنياً، بل بدا انعكاساً مباشراً لتشابك الحسابات السياسية والطائفية حول قانون تحوّل من نقاش قانوني إلى اختبار توازنات وطنية دقيقة، تتداخل فيه ملفات الإسلاميين، والمخدرات، والمبعدين إلى إسرائيل، وحتى قضية اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل عبر إعادة طرح اسم حبيب الشرتوني ضمن النقاشات الدائرة، رغم التفاهم المسبق على استثناء الجرائم المحالة على المجلس العدلي من أي عفو عام.
في الكواليس، شهد نهار الأحد دخولاً مباشراً على الخط من قصر بعبدا، عبر اجتماع ترأسه رئيس الجمهورية جوزف عون وضم نواباً من كتل متعددة، في خطوة قرأها كثيرون على أنّها محاولة لسحب الملف من إدارة عين التينة وإعادة وضعه تحت سقف رئاسي – سياسي مختلف.
وبحسب مصادر نيابية، فإنّ اجتماع بعبدا سبقه تواصل من المعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل الذي أبلغ الرئاسة موافقة بري على أيّ اتفاق يتم التوصل إليه من بعبدا، ولكن يبدو أن ما سرب من الاجتماع أثار امتعاض بري، وانعكس تطييرا لجلسة اللجان المشتركة. وهو ما يفسّر أيضاً حجم التكتّم الذي أحاط بالمداولات، حتى إنّ عدداً من النواب امتنعوا عن الإدلاء بأي مواقف علنية بسبب "حساسية الملف"، فيما أكد النائب أشرف ريفي لـ"النهار" أنّه فوجئ بقرار التأجيل ولا يملك أي معلومات عن أسبابه أو عن موعد جديد للجلسة.

"العفو للإسلاميين" أو تسوية وطنية؟

جوهر الخلاف لم يعد تقنياً. فالقانون بصيغته الحالية محوره عملياً كيفية معالجة ملف الإسلاميين الموقوفين والمحكومين، ولا سيما الموجودين في المبنى "ب" في سجن روميه. النواب السنّة الذين يقودون اقتراح القانون بالتنسيق مع دار الفتوى، يركّزون على خفض عقوبة الإعدام إلى عشرين سنة، والمؤبد إلى خمس عشرة سنة فعلية، بما يسمح عملياً بخروج عدد من المحكومين، وفي مقدمهم الشيخ أحمد الأسير.
ولم يخفِ ريفي موقفه في هذا السياق، حين أعلن صراحة أنّه سيقاطع الجلسة العامة ما لم تُعتمد صيغة تسمح بخروج "المظلومين من الإسلاميين"، وعلى رأسهم الأسير. هنا تحديداً بدأت الاعتراضات تتصاعد داخل أكثر من بيئة سياسية، وخصوصاً لدى القوى التي تعتبر أنّ أيّ تساهل في هذا الملف قد يُفسَّر مساسا بهيبة المؤسسة العسكرية ودماء العسكريين الذين سقطوا في مواجهات عبرا وغيرها.
وسط هذا الاشتباك، دخل ميشال معوض على خط الوساطة، وحاول تقديم نفسه حلقة وصل بين هواجس المؤسسة العسكرية ومطالب البيئة السنّية.
هذا التوازن الدقيق أنتج داخل اجتماع بعبدا ما يشبه التسوية الأولية: خفض الإعدام إلى عشرين سنة فعلية، والمؤبد إلى عشرين سنة سجنية بما يوازي خمس عشرة سنة فعلية، إلى جانب اعتماد معايير جديدة للإدغام ( من عليه أكثر من حكم)، وربط الاستفادة من بند التوقيف لمدة 12 سنة بعدم صدور حكم نهائي في حق الموقوف.
لكن ما بدا تسوية قابلة للحياة سرعان ما انفجر من زوايا أخرى.

من المخدرات إلى "المبعدين"…

فور إعادة فتح النقاش، عاد "الثنائي الشيعي" إلى طرح ملف المطلوبين في قضايا المخدرات، معتبرا أنّ مقاربة القانون "استنسابية"، وأن هناك ظلما يلحق بأبناء البقاع المطلوبين بمذكرات قديمة، وقد عبروا عن رفضهم أنّ يكون العفو تسوية تخص "الإسلاميين والعملاء" فقط، فيما تُترك فئات أخرى خارج المعالجة.
هذا السجال أعاد فتح ملف القانون 194/2011 المتعلق بالمبعدين إلى إسرائيل، وسط اتجاه لإضافة صيغة تُسقط الحاجة إلى المراسيم التطبيقية العالقة منذ سنوات. إلا أنّ هذه النقطة تحديداً أثارت مخاوف سياسية وأمنية واسعة، خصوصاً في ظل الحديث عن عودة بعض العملاء السابقين إلى القرى الحدودية، وتزايد المخاوف من محاولات إسرائيلية لإنشاء "روابط محلية" داخل المنطقة الحدودية الجنوبية.
توازيا، جاءت مطالبة الحزب السوري القومي الاجتماعي بإدراج ملف حبيب الشرتوني ضمن العفو لتفجّر اعتراضات مسيحية واسعة، باعتبار أنّ الجرائم المحالة على المجلس العدلي كانت مستثناة أساساً من أيّ نقاش، وهو ما بدأ يهدد عملياً الغطاء المسيحي الهش الذي حاول بعض النواب توفيره للقانون.
أما موقف رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، فزاد المشهد تعقيداً بعدما رفع سقف اعتراضاته على الصيغة المتداولة، وخصوصاً في ما يتعلق بالسجناء الإسلاميين وتجار المخدرات، ما أعاد خلط الأوراق مجدداً ونسف جزءاً كبيراً من التفاهمات التي كانت تُطبخ بعيداً من الإعلام.
اختصارا، يبدو أنّ قانون العفو العام سقط مجدداً في فخ التوازنات اللبنانية المستحيلة. فكل فريق يتعامل معه بوصفه "تصحيح ظلم" يطال بيئته، فيما ينظر إليه الفريق الآخر على أنه تهديد مباشر لهواجسه السياسية أو الأمنية أو الطائفية. 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
كتاب النهار 5/11/2026 5:00:00 AM
يذهب وفد لبنان "للتفاوض" وسط سؤال "كارثي" صار يختصر كل تداعيات الحروب المتعاقبة على لبنان منذ "تحرير " عام 2000 حتى اللحظة التي سيجلس فيها الوفد في مواجهة الإسرائيليين، وهو أي ضمانة لقدرة الدولة اللبنانية على نزع سلاح "حزب الله"؟
لبنان 5/11/2026 5:34:00 AM
يمكن التوصل بين الرئيسين عون وبري إلى أرضيةٍ مشتركة حول البنود المرجعية، بعد إعلان رئيس الجمهورية أن هدفه "إنهاء الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة".
لبنان 5/11/2026 1:32:00 PM
بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للإستفادة من التعميمين الأساسيين الرقم 158 و 166 حتى تاريخ تقديم هذا البيان 610,624 طلباً...