دعوة الخازن تفتح نقاشا سياديا… وانقسام في المقاربات المسيحية
في لحظة لبنانية - إقليمية شديدة الحساسية، حيث تختلط خطوط الحرب بمسارات التفاوض، برزت مبادرة النائب فريد هيكل الخازن كجرس إنذار سياسي يتجاوز البعد الطائفي، ليطرق باب الكيان نفسه. فبين حديث متصاعد عن مؤتمرات كبرى، وإحياء محتمل لمسار اتفاق الطائف، وتحولات عميقة في موازين القوى، يضع الخازن إصبعه على هاجس مركزي: هل يطبخ مستقبل لبنان بعيدا من اللبنانيين؟
في هذا السياق، يطرح مبادرة لافتة قائلاً: "في ظلّ ما يُهمس به سرًّا، أدعو إلى اجتماع مسيحي عاجل وفوري، يضمّ القيادات والحكماء، بهدف تشكيل لجنة متابعة على غرار الجبهة اللّبنانيّة، لمواكبة التطوّرات الرّاهنة وضمان حضورنا الفاعل في أيّ تسوية مقبلة، والدّفاع عن حقوقنا الوطنيّة".
لبنان على طاولة الكبار
يحذّر الخازن في حديث إلى"النهار" من أنّ لبنان يقف عند مفترق بالغ الخطورة، حيث تتقاطع المفاوضات الإيرانية–الأميركية مع التفاوض اللبناني–الإسرائيلي، في لحظة قد تُنتج تسويات كبرى تُرسم خارج الحدود. في رأيه، لا تكمن الخطورة فقط في هذه التسويات، بل في احتمال أن تأتي على حساب التوازنات الدقيقة التي يقوم عليها النظام اللبناني.
ينطلق من معادلة واضحة: الأولوية الدولية اليوم لملف سلاح "حزب الله"، فيما تتراجع مسألة الحفاظ على صيغة النظام والتوازنات الطائفية. هذا الخلل، وفق قراءته، قد يفتح الباب أمام مقايضات كبرى، كأن يُستبدل تسليم السلاح بإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة، بما يهدد المناصفة والتوازن السياسي.
ضمن هذا المشهد، يكشف الخازن عن مؤشرات سمعها في الكواليس السياسية والديبلوماسية تتحدث عن أفكار لإعادة صياغة العقد الاجتماعي في لبنان. بالنسبة إليه، هذه ليست مجرد تسريبات، بل إشارات إلى احتمال دخول مرحلة إعادة ترتيب شاملة للنظام.
ويشدد على أن المسيحيين ومعهم سائر المكونات، بلغوا سقف التنازلات بعدما تراجعت مواقعهم وصلاحياتهم عمليًا. وبالتالي، فإن أيّ تعديل إضافي قد يهدد جوهر الصيغة اللبنانية، لا توازناتها فقط.
"غرفة عمليات" لمواجهة المرحلة
انطلاقًا من هذه المخاوف، يدعو الخازن إلى تحرّك استباقي يبدأ باجتماع مسيحي موسّع، على أن يتطور لاحقًا إلى إطار وطني أشمل. الهدف، كما يطرحه، ليس الانعزال، بل تنظيم الموقف الداخلي ومواكبة المفاوضات عبر "غرفة عمليات" سياسية تواكب التطورات، وتنسّق داخليا، وتنفتح خارجيا على الدول المؤثرة والانتشار اللبناني.
هذا التحرك يشكّل بالنسبة إليه محاولة لحماية صيغة العيش المشترك، عبر تثبيت التوازن بين جميع المكونات، لا عبر تكريس اصطفافات جديدة.
في غياب ضمانات دولية فعلية، يرى الخازن أن الرهان يبقى مزدوجا: تمسّك بعض القوى الخارجية، خصوصا العربية، باتفاق الطائف، وقدرة اللبنانيين على إنتاج موقف موحّد يحصّن موقعهم في أيّ تسوية. أما في حال غياب هذا التماسك، فيخشى أن يتحول لبنان مجددا إلى ساحة لتسويات الآخرين.

تباين مسيحي
مبادرة الخازن لم تمرّ من دون تباين في المقاربات داخل الساحة المسيحية.
في حزب "القوات اللبنانية"، لم يُبحث الطرح بعد، إلا أن القراءة تميل إلى التقليل من الحاجة إلى استنفار مسيحي. فبحسب هذا التوجه، لبنان ليس في مرحلة فراغ، بل أمام "واقع دولة" يتكرّس عبر رئاسة الجمهورية والحكومة اللتين اتخذتا قرارات وُصفت بالتاريخية في اتجاه حصر السلاح بيد الدولة. وترى "القوات" أن الأولوية اليوم لدعم هذا المسار، في ظل تكامل بين الرئاستين وأكثرية سياسية تسير في الاتجاه نفسه، معتبرة أن أي تحرك يجب أن يصب في تعزيز الشرعية لا إيجاد أطر موازية.
أما حزب الكتائب اللبنانية فيضع النقاش في إطار وطني أشمل، معتبرا أن قضية حصر السلاح بالدولة لا تخص طائفة بعينها، بل جميع اللبنانيين، وأيّ تحويل للأنظار عن هذا الهدف يشكل تمييعا للأولوية الأساسية.
ويشير "التيار الوطني الحر" بدوره إلى أن المبادرة لم تُناقش بعد، لكنه يؤكد ضرورة مقاربة الهواجس المطروحة ضمن رؤية وطنية شاملة، لا ضمن إطار طائفي ضيق، عبر حوار مع مختلف المكونات.
بين المبادرة والواقع
بين تحذير الخازن ودعوات دعم الدولة، يتكشف مشهد لبناني مأزوم: قلق من تسويات كبرى تُرسم في الخارج، مقابل رهان على مؤسسات تحاول استعادة دورها في الداخل. وفي قلب هذا التناقض، يبرز السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان إنتاج موقف موحّد يواكب لحظة إعادة تشكيل المنطقة، أو يبقى متلقيا لنتائجها؟
في الانتظار، تبدو مبادرة الخازن أقرب إلى محاولة استباقية لفرض الحضور في لحظة يُخشى فيها الغياب.
نبض