لبنانيون متباينون حول "فضاء" مستقبل لبنان
اللبنانيون ليسوا على مضمار سياسي موحّد في البعد الاستراتيجيّ حيال "فضاء" مستقبل النظام اللبنانيّ والدور الذي يمكن لبنان الاضطلاع به في المنطقة. ومن الظاهر أنّ عدم كلل أداء "حزب الله" في تنفيذ مآرب النظام الإيراني عسكرياً وسياسياً في لبنان، فاقم الشرخ مع مكونات لبنانية متنوعة منها بات يعنيها جبل لبنان والقليل من محيطه الجغرافيّ حصراً على طريقة نظام المتصرّفية، ومنها تطرح على طاولة لقاءات سياسية التهيئة للمطالبة بنظام سياسيّ جديد عندما تحين فترة مناسبة.
وتتنوّع الطروحات بين لامركزية موسّعة ماليّاً وإداريّاً، فديرالية طائفية، فديرالية قيمية لا طائفية، فديرالية جغرافية بحسب الأقضية أو المحافظات، تقسيم أو انفصال عن بعض المناطق. ومنهم من يتمسّكون باتفاق الطائف صيغة إنقاذية وينادون بأهمية تنفيذ الاتفاق، على غرار الرئيس فؤاد السنيورة الذي لا يزال مع إطلاق صيحة "تعالوا ننفّذ اتفاق الطائف".
رغم أن لقاء "إنقاذاً للبنان" في معراب أخيراً شكّل منبراً لمن حبّذ التحدّث في طروحات للنظام اللبناني، فإن حزب "القوات اللبنانية" انطلاقاً من إعلامه الرسميّ يعنى بأولوية أن ينتهي النزاع الحربيّ في لبنان وتنفيذ قرار حصر السلاح وتحرير لبنان من "حزب الله" الذي لا يزال يصادر قراره العسكريّ والاستراتيجي. ومن المهم لـ"القوات" أن تسيطر الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ثم يمكن أن ينطلق التشاور الجديّ في إمكان تطوير النظام من عدمه، لكن سلاح "حزب الله" يبقى المانع الأساسي لتطبيق الدستور الحالي ولا يمكن الكلام عن مشاريع متعلقة بدستور جديد طالما لا إمكان لتطبيق أي دستور مع وجود سلاح "حزب الله".
من جانبه، يقول عضو المجلس الدستوري سابقاً الأستاذ الجامعي أنطوان مسرة لـ"النهار" إن "هناك مغامرين ومقامرين يتحدثون في كلّ فترة عن النظام اللبنانيّ، لكن هنالك تساؤلات حول إن كانوا يعنون نصّ الدستور أو الممارسة أو الخطاب السياسي السائد". ويستذكر أنّه "من خلال الاختبار، زرع لبنان في المتاريس والمعابر لفصل المناطق والطوائف بعضها عن بعض في الحرب الأهلية. لكن عندما اندثرت المعابر والمتاريس عاد لبنان إلى ثوابته في بنيته السكانية ومساحته الجغرافية وثوابت نظامه الدستوري وانتمائه العربي".
ويشدد مسرة على أن "ميثاق الطائف الذي كرّس ثوابت دستورية وبقي على أساس العيش معاً إسلامياً مسيحياً، المشاركة في الحكم وعروبة لبنان. إن من يسعى إلى تغيير نقطة في ميثاق الطائف لا يمكنه التطبيق إلا بالعودة إلى جذور وثيقة الطائف". وبحسب مسرة، إنّ "لدى لبنان والنظام اللبناني مناعة لا مثيل لها، لكن هناك مغامرون ومقامرون وعقدة الاستقواء بالخارج في سبيل تغيير موازين داخلية".
عن أداء "حزب الله" الخارج عن قرارات الدولة اللبنانية، يعتبر مسرة أنّ "الحزب يبحث عن الحصول على جائزة ترضية". ويستنتج أن "التمييز بين اللبنانيين ليس بين مسلمين ومسيحيين بل بين الذين تعلّموا من التجارب السابقة والذين لم يتعلّموا. لكن ليس من أحد حقق هدفه من الذين استقووا بالخارج".
توازياً، يقول الأستاذ الجامعي المتخصّص في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر عماد مراد لـ"النهار" إن "انتماء جهة شيعية إلى ولاية الفقيه في إيران أبعدها عن المشروع اللبناني، رغم أن غالبية من المكوّنات اللبنانية لا تزال مع المشروع اللبناني. إن ابتعاد "حزب الله" عن المشروع اللبناني أدى إلى شرخ ثم تفكير مكوّنات في تغيير النظام".
ويقارن مراد مع مراحل سابقة، حيث إنه "رغم الأحداث التي كانت حصلت في عامي 1958 و1975 كان الانتماء اللبناني يجمع الجميع بعدئذ، لكن انتماء "حزب الله" إلى إيران يجعل الآخر يبحث حالياً عن حلّ يعيد "الحزب" إلى لبنان أو الانفصال باعتبار أن التعايش لم يعد ممكناً بما أن "الحزب" لا يؤمن بالدولة اللبنانية والكيان اللبناني".
ويتبيّن له أنّ "الأحزاب تنادي بدولة لبنانية في ظل نظام جديد يحفظ خصوصية كل المكونات اللبنانية ويحفظ نظام الأحزاب والحرية والتعددية. إنّ دعم إيران لـ"حزب الله" يبيح التفكير في نظام جديد يحفظ دور كلّ مكون، لذلك يتحدّث الشارع المسيحيّ عن فيدرالية أو لامركزية موسعة تحافظ على الرئاسة والدولة اللبنانية لكن ضمن نظام سياسي جديد. أما السني والدرزي، فمع اتفاق الطائف والإيمان بلبنان".
نبض