بين ولاية الفقيه والسيادة الوطنية... المسار الجدلي لنعيم قاسم

سياسة 09-04-2026 | 23:33

بين ولاية الفقيه والسيادة الوطنية... المسار الجدلي لنعيم قاسم

 تجسّد مسيرة نعيم قاسم تقويضاً صريحاً لمفهوم السيادة الوطنية.
بين ولاية الفقيه والسيادة الوطنية... المسار الجدلي لنعيم قاسم
نعيم قاسم. (أرشبف)
Smaller Bigger

روي أبو زيد - أنطوني نعيم
من قلب بيروت عام 1953، انطلقت مسيرة نعيم قاسم لتشكل نموذجاً يزاوج بين الانتماء للعاصمة والوفاء للجذور الجنوبية في "كفرفيلا". لم تكن شخصيته وليدة الصدفة، بل صاغها مساران متوازيان: تخصص علمي في الكيمياء وثقافة فرنسية من جهة، وتحصيل ديني حوزوي رصين من جهة أخرى. هذا التلاحم بين المنطق العلمي والمنطلق العقائدي تجاوز كونه مرحلة دراسية، ليتحول إلى رؤية شاملة نقلته من العمل التنظيمي إلى قيادة الحزب في أدق مراحل تاريخ المنطقة، محولاً الفكر النظري إلى مشروع سياسي وعسكري متكامل.

 

في سبعينيات القرن الماضي، انخرط في العمل الحركي إلى جانب موسى الصدر ضمن "حركة المحرومين"، قبل أن يكون من الجيل المؤسس لحزب الله عام 1982 عقب الاجتياح الإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين، لم يقتصر دوره على الجانب التنظيمي، بل تطوّر ليصبح أحد أبرز مهندسي الفكر السياسي للحزب، خاصة مع توليه منصب نائب الأمين العام منذ عام 1991، حيث لعب دوراً محورياً في إدارة الملفات السياسية والانتخابية، وفي ربط القيادة بالقاعدة التنظيمية.

 

إلى جانب دوره السياسي، عمل قاسم على ترسيخ البنية الثقافية للحزب من خلال إشرافه على مؤسسات تربوية وكشفية، ما ساهم في بناء ما يُعرف بـ"مجتمع المقاومة". و ترأس "الجمعية الإسلامية للتربية والتعليم - مدارس المصطفى" كما أشرف على عمل "كشافة الإمام المهدي"، ما منحه نفوذًا في البنية الثقافية للحزب.

 

يشكّل نعيم قاسم نموذجاً خاصاً في الحياة السياسية اللبنانية، إذ لا يمكن فهم موقعه القيادي من دون التوقف عند الخلفية الفكرية التي صاغت مسيرته. فمنذ انخراطه المبكر إلى جانب موسى الصدر، وصولاً إلى مشاركته في تأسيس حزب الله مطلع الثمانينيات، لم يكن قاسم مجرد إطار تنظيمي، بل أحد أبرز العقول التي عملت على تحويل التجربة الحركية إلى منظومة فكرية متكاملة.

 

في قلب هذه المنظومة، تحتل "ولاية الفقيه" موقعاً مركزياً، باعتبارها المرجعية التي تمنح الشرعية الدينية والسياسية لمسار الحزب. في رؤية قاسم، لا تقتصر هذه النظرية على بعدها الفقهي، بل تتجاوز ذلك لتشكّل إطاراً ناظماً للقرار الاستراتيجي، يضمن وحدة التوجه ويمنع التشتت. ومن هنا، يصبح الالتزام بها ليس مجرد خيار سياسي، بل التزاماً عقائدياً يربط الحزب بمشروع أوسع يتخطى الحدود اللبنانية، مع الإبقاء على هامش من المرونة في إدارة الشأن المحلي.

 

إلى جانب هذا الأساس العقائدي، يطرح قاسم فهماً خاصاً لمفهوم "المقاومة". فهي، في أدبياته، ليست رد فعل مرحلي على احتلال أو عدوان، بل حالة دائمة وجزء من بنية المجتمع. هذا التصور، الذي فصّله في كتابه "حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل"، يحوّل المقاومة إلى ثقافة متجذّرة، تتجلى في المؤسسات التربوية والاجتماعية كما في العمل العسكري، وتُنتج ما يُعرف بـ"مجتمع المقاومة"، القادر على الصمود والاستمرار.
في هذا السياق، تحتل القضية الفلسطينية موقع البوصلة في فكر قاسم، حيث يُنظر إلى الصراع مع إسرائيل باعتباره صراع وجود لا نزاع حدود. ومن هذا المنطلق، تتفرّع مفاهيم مثل "وحدة الساحات" و"محور المقاومة"، التي تعكس رؤية تعتبر أن المواجهة تتجاوز الجغرافيا، لتصبح شبكة مترابطة من الجبهات والمصالح.

 

ومع تولّيه الأمانة العامة للحزب بعد اغتيال السيد حسن نصر الله عام 2024، وجد قاسم نفسه في موقع القيادة المباشرة في واحدة من أكثر المراحل حساسية. هنا، برز مفهوم "الدفاع الوجودي" كعنوان لخطابه السياسي، في توصيف يعكس قناعة بأن الصراع الدائر لا يتعلق فقط بتوازنات القوة، بل بمصير الكيان والدولة والمجتمع.

 

هذا الطرح، رغم وضوحه في أدبيات الحزب، يضع قاسم أمام تحديات مركّبة. فهو مطالب بالحفاظ على التماسك الداخلي للحزب، في ظل ضغوط عسكرية وأمنية متصاعدة، وفي الوقت نفسه بإدارة علاقة معقّدة مع الدولة اللبنانية، التي تشهد انقسامات حادة حول دور المقاومة وسلاحها. كما يواجه ضغوطاً دولية متزايدة، تتمثل في العقوبات والعزلة السياسية، ما يفرض عليه موازنة دقيقة بين الثبات العقائدي والانفتاح التكتيكي.
تكمن معضلة المنهج الذي يتّبعه نعيم قاسم في توظيف "البراغماتية" كواجهة سياسية تهدف إلى احتواء مؤسسات الدولة وجعلها مظلة شرعية لسلاح التنظيم، بعيداً عن جوهر الامتثال للقانون. إنّ هذا السلوك السياسي يرسّخ واقع "الدويلة" ويقوّض أركان الدولة اللبنانية لصالح مشاريع أيديولوجية تتجاوز الحدود الوطنية؛ إذ تتحول المؤسسات الدستورية في فكره إلى "خط دفاع" للمشروع الجهادي، مما يجعل المشاركة في السلطة مجرد تكتيك لتثبيت النفوذ لا اعترافاً بالسيادة، وهو ما يمثل طعناً صريحاً في الدستور ومبادئ الشرعية.

 

في الخلاصة، تجسّد مسيرة نعيم قاسم تقويضاً صريحاً لمفهوم السيادة الوطنية؛ إذ أدى ارتهانه المطلق لعقيدة "ولاية الفقيه" إلى إرساء ركائز "دويلة" موازية تبتلع هيبة الدولة. ومن خلال هذا النهج، تتحوّل المؤسسات الدستورية في يده إلى مجرد أدوات تكتيكية لتأمين الحصانة لنفوذ التنظيم، بدلاً من الخضوع لسلطة القانون. وبذلك، يكرس قاسم دور المنظر الذي يدير الانقسام اللبناني برؤية أيديولوجية تبدّي مصالح المحور الإقليمي فوق شرعية الدولة ومؤسساتها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/7/2026 9:18:00 AM
انخفاض بسعر البنزين... ماذا عن المازوت؟
اسرائيليات 4/9/2026 10:47:00 AM
الجيش الإسرائيلي: لعب دورًا مركزيًا في إدارة مكتبه وتأمينه
لبنان 4/8/2026 9:02:00 PM
غارة عين سعادة تكشف هدفا غير معلن… ومسؤول في حزب الله نجا من الضربة.
لبنان 4/9/2026 10:48:00 AM
مسؤول إسرائيلي للقناة 14: قتلنا 220 عنصراً من حزب الله بينهم قادة في هجمات أمس