سجلّ تهديدات "حزب الله" للدولة: كلام وفيق صفا آخر التجليّات
في لحظة سياسية شديدة الحساسية، عاد اسم وفيق صفا إلى الواجهة بوصفه ناقل الرسائل الأكثر وضوحاً في تنظيم "حزب الله" المحظور أمنياً وعسكرياً. صفا الذي اشتهر سابقاً بعبارة "بدنا نقبعك" في تهديد مباشر للقاضي طارق بيطار، يعيد اليوم التذكير بأسلوب قديم – جديد، وهو التهديد كأداة سياسية لفرض املاءات تنظيمه على الحكومة. ليست هذه اللغة استثناءً عابراً، بل امتداد لمسار طويل اعتمده "حزب الله" في علاقته مع الدولة اللبنانية، مسار يقوم على مزيج من الضغط السياسي، التعطيل الدستوري، والتلويح بالقوّة.
ما جرى في ظلّ حكومة نواف سلام وعهد الرئيس جوزف عون، من تحذيرات من "حرب أهلية" واتهامات بـ"تسليم لبنان لإسرائيل"، ليس سوى حلقة جديدة في هذا المسار. فالتنظيم، الذي يعتبر أي مساس بسلاحه قضية وجودية، يرفع سقف التهديد إلى أقصاه كلما اقتربت الدولة من محاولة فرض سيادتها. لكن لفهم خطورة اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى المحطات التي رسّخت هذا النموذج.
تهديدات حزب الله للدولة اللبنانية تعود إلى نشأته في الثمانينيات، عندما تبنّى موقفاً رافضاً لشرعية النظام اللبناني. ففي "الرسالة المفتوحة" عام 1985، اعتبر النظام اللبناني "نظام ظالم" مبني على أُسس غير شرعيّة، بالتوازي مع ممارسات ميدانية قوّضت سلطة الدولة مع المشاركة في أحداث 6 شباط 1984 التي ساهمت في إضعاف الجيش.
في تسعينيات القرن الماضي، انتقل الحزب من الرفض إلى مأسسة نفوذه داخل الدولة، متجاوزاً اتفاق الطائف للاحتفاظ بسلاحه تحت عنوان "المقاومة"، ما كرّس واقع "دويلة داخل الدولة". ودخل البرلمان عام 1992 لحماية هذا الواقع سياسياً، فيما شكّلت أحداث "جسر المطار" عام 1993 نموذجاً لصدام مباشر مع الدولة واستخدام الشارع للضغط عليها.
أما في "تفاهم نيسان" 1996، فقد برز الحزب كطرف تفاوضي، ما أدى إلى تهميش دور الدولة في قرار الحرب والسلم. بهذا، أرست مرحلتا الثمانينيات والتسعينيات أسس ما يمكن وصفه بـ"الفيتو المسلح"، الذي تطور لاحقاً إلى أدوات ضغط سياسية ودستورية أكثر تعقيداً.
لم يبدأ "حزب الله" استخدام التهديد والتعطيل مع أحداث 7 أيار 2008، بل سبق ذلك في عام 2006 حين خاض مواجهة مفتوحة مع حكومة فؤاد السنيورة على خلفية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. يومها، اعتبر الحزب أن مسار المحكمة يستهدفه سياسياً، فلجأ وزراؤه وحلفاؤه إلى الاعتكاف ثم الانسحاب من الحكومة، في محاولة لإفقادها الشرعية السياسية والميثاقية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تُرجم التصعيد في الشارع باعتصام مفتوح في وسط بيروت، في واحدة من أبرز محطات الضغط المنظم على الحكومة لإسقاطها أو فرض شروط جديدة عليها. بذلك، كرّس الحزب باكراً معادلة مفادها أنه مستعد لاستخدام كل أدوات الضغط، من داخل المؤسسات وخارجها، لمنع أي مسار رسمي لا ينسجم مع مصالحه.
البداية الفعلية للتحول الأخطر جاءت في 7 أيار 2008، حين تحوّل السلاح إلى أداة داخلية مباشرة. يومها، لم يكتفِ "حزب الله" برفض قرارات حكومة فؤاد السنيورة المتعلّقة بنزع شبكته الأمنية في المطار والاتصالات، بل اعتبرها "إعلان حرب". اجتاح الحزب بيروت عسكرياً، وسقط عشرات القتلى، قبل أن تتراجع الحكومة تحت ضغط السلاح. تلك اللحظة لم تكن مجرد مواجهة عابرة، بل لحظة تأسيس لمعادلة جديدة: أي قرار سيادي يمس الحزب يمكن إسقاطه بالقوّة.
بعد ثلاث سنوات، في عام 2011، انتقل الحزب إلى استخدام أدوات جديدة لتحقيق الهدف نفسه. استقالة 11 وزيراً دفعة واحدة أسقطت حكومة سعد الحريري من داخل النظام، بالتوازي مع انتشار "القمصان السود" في الشارع كرسالة ضغط واضحة. لم تكن الرسالة موجهة فقط للحريري، بل لكل الطبقة السياسية: ميزان القوى لا يُحسم في المؤسسات وحدها، بل أيضاً في الشارع.
لاحقاً، تطوّر هذا النهج إلى تعطيل منهجي للمؤسسات. بين عامي 2014 و2016، عُطلت عشرات جلسات انتخاب رئيس الجمهورية إلى أن فُرض انتخاب ميشال عون. وتكرر السيناريو بعد 2022، حيث استُخدم سلاح تعطيل النصاب لجلسات عدة لمنع انتخاب أي رئيس لا يحظى بموافقته. هنا، لم يعد التهديد بالسلاح ضرورياً دائماً، إذ أصبح التعطيل بحد ذاته الذي يحتمي بالسلاح أداة فعّالة لفرض الشروط.
أما في القضاء، فقد بلغ الضغط ذروته مع تحقيقات انفجار مرفأ بيروت. التهديد الذي نقله وفيق صفا للقاضي طارق بيطار لم يبقَ كلاماً، بل تُرجم بتعطيل جلسات الحكومة، ثم بتوترات ميدانية في "غزوة عين الرمانة". الرسالة كانت واضحة: حتى القضاء ليس بمنأى عن ميزان القوّة والتهديد والوعيد.
اليوم، ومع تصاعد الضغوط لسحب سلاح الحزب، يعود الخطاب إلى نبرة أكثر حدّة. تحذيرات من "فتنة داخلية"، اتهامات للحكومة بالخيانة، بعد قرارات الحكومة في 5 و 7 آب 2025 وقرار 2 آذار 2026، وتهديدات مبطنة باستخدام القوة في الداخل. في المقابل، تتمسك الدولة بخيارات سيادية، من تكليف الجيش بخطط لحصر السلاح إلى قرارات تصف النشاط العسكري للحزب بأنه خارج عن القانون.
غير أن التجربة اللبنانية خلال العقدين الماضيين تشير إلى معادلة ثابتة: كلما اقتربت الدولة من اختبار سيادتها، ارتفع منسوب التهديد. من اعتكاف 2006، إلى اجتياح بيروت في 2008، إلى إسقاط الحكومات، إلى تعطيل الانتخابات، وصولاً إلى تهديد القضاء، يتكرر النمط نفسه بأدوات مختلفة.
هكذا، لا تبدو تهديدات اليوم حدثاً طارئاً، بل امتداداً لسجل طويل من "الإكراه السياسي" الذي أعاد رسم حدود السلطة في لبنان. ولكن المعادلة تغيّرت اليوم وحزب الله الذي كان مرتاحا لتركيبة معيّنة ولبعض القوى السياسية التي رضخت له في "النفوس والنصوص"، اليوم النصوص تبدّلت وأصبحت ترفض نشاطه الأمني والعسكريّ والنفوس باتت مشحونة، واللبنانيين، بأكثريتهم يرفضون ما قام به الحزب عبر توريط بيئته والشعب اللبناني بحرب لا مصلحة للبنان بدخولها.
نبض