"الضباط الوطنيون"... بيان مفبرك أو محاولة لجرّ الجيش إلى الانقسام؟

سياسة 15-03-2026 | 09:55

"الضباط الوطنيون"... بيان مفبرك أو محاولة لجرّ الجيش إلى الانقسام؟

نشر مثل هذه البيانات، حتى لو تبيّن لاحقاً أنها مفبركة، يهدف إلى اختبار القاعدة النفسية والسياسية داخل المجتمع والجيش معاً
"الضباط الوطنيون"... بيان مفبرك أو محاولة لجرّ الجيش إلى الانقسام؟
عناصر من الجيش اللبناني.
Smaller Bigger

في توقيت بالغ الحساسية يعيشه لبنان تحت وطأة الحرب، برز فجأة بيان منسوب إلى ما سمّي "الضباط الوطنيون" في الجيش اللبناني، سرعان ما تبين أنه مفبرك، لكن خطورته لم تكن في صحته أو عدمها، بقدر ما كانت في الرسالة التي حاول تمريرها: التشكيك في وحدة المؤسسة العسكرية والإيحاء بانقسام داخلها.

قيادة الجيش حسمت الأمر سريعاً بنفي قاطع، مؤكدة أن "لا صحة إطلاقاً لما تضمنه الخبر عن ضباط الجيش"، ومشددة على أن عناصر المؤسسة العسكرية "ملتزمون الولاء للمؤسسة والوطن فقط". وجزمت بأن البيان المتداول "لا يمت إلى الجيش بصلة لا من قريب ولا من بعيد".

 

عناصر من الجيش اللبناني.
عناصر من الجيش اللبناني.

 

الموقف نفسه انعكس في موقف الحكومة، إذ حذّر رئيسها نواف سلام اللبنانيين من الانجرار وراء الأخبار المضللة، مديناً استعمال لغة الكراهية والتحريض الطائفي من أيّ جهة أتى، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر للأمن الداخلي والسلم الأهلي.

وعلى رغم سقوط الرواية سريعاً، فإن مجرد تداولها يطرح أسئلة سياسية وأمنية أعمق: من يقف خلفها؟ ولماذا تُطرح في هذا التوقيت بالذات؟ وما الهدف من استخدام تعبير ملتبس مثل "الضباط الوطنيين"؟

البيان المفبرك حاول أن يظهر بمظهر الدفاع عن عقيدة الجيش، معتبراً أن المؤسسة العسكرية "لم تُنشأ لتكون طرفاً في صراع داخلي بين أبناء الوطن الواحد، وأن مهمتها الأساسية حماية الوطن والدفاع عن أرضه وشعبه وصون السلم الأهلي ووحدة الدولة". لكنه في المقابل حذّر من وضع الجيش في مواجهة "قوى وطنية تتصدى لعدوان خارجي"، وهي صياغة سياسية بامتياز تعكس خطاب محور الممانعة، وجماعة "الحرس الثوري" في لبنان، وتوحي ضمناً بأن أي خطوة للدولة في اتجاه ضبط السلاح أو تنفيذ قراراتها قد تفسر على أنها استهداف لهذه القوى.

مصادر خاصة أكدت لـ"النهار" أن البيان مختلق بالكامل، واعتبرت أن ما جرى يندرج في إطار محاولة ضغط سياسية على الجيش في لحظة دقيقة، لدفعه إلى التعامل مع بعض الملفات وفق مقاربة معينة، ولا سيما في ما يتعلق بتنفيذ قرارات الحكومة في ظل الحرب الدائرة والضغوط الدولية المتزايدة عليه في ما خص سلاح "حزب الله".
والأخطر في مضمون البيان ليس ما قاله، بل ما لمّح إليه. فاختيار تسمية "الضباط الوطنيين" ليس تفصيلا لغويا عابرا، بل يحمل في طياته محاولة لزرع الشك داخل المؤسسة العسكرية نفسها: هل هناك ضباط "وطنيون" وآخرون غير وطنيين؟ وهل ثمة انقسام داخل الجيش حول دوره ومهمته؟ هذه الصيغة تعيد إلى الأذهان صفحات خطِرة من تاريخ لبنان، حين أدى الانقسام السياسي والطائفي خلال الحرب الأهلية إلى تفكك المؤسسة العسكرية وظهور انشقاقات أبرزها من ايام أحمد الخطيب الذي أعلن عام 1976 تمرده وقاد ما سُمّي يومها "جيش لبنان العربي".

من هنا ترى أوساط سياسية أن نشر مثل هذه البيانات، حتى لو تبيّن لاحقاً أنها مفبركة، يهدف أساسا إلى اختبار القاعدة النفسية والسياسية داخل المجتمع والجيش معاً. فالحروب لا تدار بالسلاح فقط، بل أيضا بالحرب النفسية والإعلامية، حيث يجري ضخ روايات مشككة في المؤسسات لإضعاف الثقة بها أو لجرّها إلى موقع دفاعي.

وفي السياق نفسه، لا يمكن فصل هذه المحاولة عن التوتر القائم بين الدولة اللبنانية وبعض الميليشيات حول دور الجيش وحدود صلاحياته في ظل الحرب. فالمؤسسة العسكرية تجد نفسها اليوم في موقع بالغ الحساسية: هي مطالبة داخليا بالحفاظ على الاستقرار ومنع الانفلات الأمني، وخارجيا بالقيام بدور أكبر في نزع السلاح وتنفيذ القرارات الحكومية والدولية، فيما تسعى قوى داخلية إلى إبقائها خارج أي مواجهة قد تمسّ بسلاحها أو نفوذها.

لهذا السبب بالذات يصبح الجيش هدفاً دائماً لمحاولات الضغط أو التشكيك أو الاستدراج إلى صراعات سياسية لا تشبه طبيعته ولا مهمته. فالمؤسسة العسكرية هي آخر المؤسسات الوطنية الجامعة التي ما زالت تحظى بثقة فئة واسعة من اللبنانيين، وأي مساس بوحدتها يعني عملياً فتح الباب أمام أخطر السيناريوات.

وتجمع الأوساط المتابعة على أن أخطر ما يمكن أن يحدث في لبنان اليوم ليس استمرار الحرب، بل اهتزاز وحدة الجيش في الداخل. لذلك، فإن كل محاولات الزجّ بالمؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية أو تصويرها كأنها طرف في معادلة "الممانعة" أو "المواجهة معها" تشكل مغامرة غير محسوبة العواقب.
وتختم بالتأكيد أن التجارب السابقة أثبتت أن الجيش اللبناني، رغم كل الضغوط، بقي عصياً على التفكك. وقد نجح بعد الحرب الأهلية في إعادة بناء وحدته واستعادة دوره ضامنا للاستقرار الداخلي. وفي ظل الظروف الحالية، تبدو المحافظة على هذه الوحدة أكثر من ضرورة عسكرية، إنها شرط أساسي لبقاء الدولة نفسها.



     
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/15/2026 9:20:00 PM
الخليج وبريطانيا يدينان تهديدات إيران للملاحة ويؤكدان حماية مضيق هرمز وباب المندب
الخليج العربي 3/16/2026 8:49:00 AM
"طيران الإمارات" تتوقّع تشغيل رحلات دبي بجدول محدود اليوم
كتاب النهار 3/16/2026 3:32:00 PM
الرئيس السوري يدرك جيداً أن أيّ تحريك للمجموعات المقاتلة المرتزقة التي حاربت في سوريا تحت لواء "داعش" و"جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام"، سيخرج المارد من القمقم
اقتصاد وأعمال 3/16/2026 11:19:00 AM
يكفي تعثر الملاحة فيها كي تتوقف مصانع، وتتأخر شحنات، وتُعاد حسابات القوى الكبرى.