"بيت الوسط" يستعيد نبضه من دون المظلّة التقليدية
في الأيام الأخيرة، عاد "بيت الوسط" إلى الواجهة السياسية مسرحا لحركة ديبلوماسية وداخلية لافتة حول الرئيس سعد الحريري، في مشهد يعكس أكثر من مجرد لقاءات بروتوكولية. فالدار التي شكلت مدى سنوات عنوان الاعتدال السني ومركز ثقل قوى 14 آذار، بدت كأنها تختبر إيقاعا سياسيا جديدا، تتداخل فيه الرسائل الخارجية والحسابات الداخلية، في ظل تحولات إقليمية لا يمكن فصلها عن المشهد اللبناني.
ديبلوماسياً، استقبل الحريري غالبية السفراء الأوروبيين، إضافة إلى السفيرين الأميركي والروسي، وسفيري مصر والعراق ممثلين الحضور العربي. هذا الحراك يعكس حرصا دوليا واضحا على إبقاء قناة التواصل مفتوحة مع الحريري، بوصفه لاعبا أساسيا في المعادلة السنية والوطنية، وإن يكن خارج السلطة التنفيذية. في المقابل، بدا الغياب الخليجي كاملا في إشارة لا تخطئها القراءة السياسية إلى استمرار الفيتو السعودي عليه. هذا الغياب ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل هو عنصر مؤثر في إعادة رسم تموضعه الداخلي، إذ لطالما شكّل الغطاء الخليجي إحدى ركائز توازناته.
أما داخليا، فقد اقتصر الحضور من مكوّنات 14 آذار التقليدية، على الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، في زيارة حملت دلالات استمرار خيط التواصل بين المختارة و"بيت الوسط"، ولو في إطارٍ براغماتي معتاد. في المقابل، غابت قيادات "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب، كما غاب معظم النواب السنّة ممن كانوا يحسبون تقليديا على خط "المستقبل". هذا الغياب يعكس واقع إعادة تموضع داخلية وخارجية للنواب، في ظل استمرار الخلاف مع السعودية.
في المقابل، كان لافتا استقبال الحريري شخصيات من خارج الاصطفاف التقليدي، من بينها الرئيس نجيب ميقاتي، وعدد من النواب المستقلين ذوي التوجه السيادي، إضافة إلى رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية ورئيس الحزب الديموقراطي اللبناني طلال أرسلان. هذا التنوّع في الضيوف يوحي بأن "بيت الوسط" لا يغلق أبوابه على محور دون آخر، بل يبعث بإشارة مفادها أن الحريري يسعى إلى إعادة تثبيت حضوره، مرجعية عابرة للانقسام الحاد بين 8 و14 آذار، أو على الأقل طرفا قادرا على مخاطبة الجميع من موقع غير صدامي.
على المستوى الشعبي والديني، شكّلت زيارات وفود المفتين وممثلي دار الفتوى وفاعليات بلدية واختيارية واجتماعية، امتدادا طبيعيا لبيئة "المستقبل" التاريخية، ورسالة بأن الحاضنة الاجتماعية لا تزال تنظر إلى الحريري على أنه عنوان تمثيلي، ولو أن المشهد السياسي تبدّل.
المشاركة المرتقبة في إفطار دار الفتوى، بما يحمله من رمزية جامعة لمكوّنات الدولة، تضيف بعدا مؤسساتيا إلى هذا الحراك، وتعيد الحريري إلى قلب الصورة الزعامتية اللبنانية.
دلالات هذا المشهد تتجاوز عدّ الزائرين والغائبين. أولا، ثمة محاولة واضحة لإعادة إدخال الحريري في معادلة التوازن الوطني من بوابة الاستحقاقات المقبلة، ولو من دون إعلان صريح عن عودة كاملة لـ"تيار المستقبل".
ثانيا، الغياب الخليجي يفرض سقفا على هذه العودة، ويجعلها محكومة بإيقاع داخلي ودولي لا عربي شامل، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عن مدى قدرة الحريري على استعادة دوره السابق من دون المظلّة السعودية التقليدية.
ثالثا، الانفتاح على شخصيات من محاور مختلفة قد يعكس قراءة براغماتية لمرحلة ما بعد الاصطفافات الحادة، حيث تراجعت الحدود الفاصلة بين المعسكرات، وباتت التسويات الجزئية سيدة الموقف.
في المحصلة، لا يبدو "بيت الوسط" في هذه المرحلة مجرد عنوان لذكرى سياسية، بل مساحة اختبار لإمكان عودة تدريجية ومدروسة. الحضور الديبلوماسي الكثيف يؤكد أن الخارج لم يشطب الحريري من حساباته، فيما يكشف الغياب الخليجي وحذر الحلفاء السابقين أن الطريق إلى استعادة الزخم القديم لا يزال محفوفا بالعوائق. بين هذين الحدّين، يتحرك الحريري في مساحة رمادية، يحاول تثبيت موقعه كبيضة قبان محتملة في أي معادلة مقبلة، من دون أن يحسم بعد شكل العودة ولا توقيتها.
نبض