جارودي لـ"النهار": البلد تغيّر لكن إنجازات رفيق الحريري باقية
استعاد المهندس هشام جارودي صورة الرئيس رفيق الحريري في ذكرى استشهاده الـ21 كما عرفه عن قرب، بعيداً عن السياسة اليومية، قريباً من التعليم والرياضة وإعادة الإعمار.
وكشف جارودي لـ"النهار" أن أول ما يخطر في باله عند ذكر اسم رفيق الحريري هو عشقه للتعليم وإيمانه العميق ببناء الإنسان قبل الحجر، "الله يرحمه، بنى وأسّس وغادر وقلبه على البلد. لا أنسى اهتمامه بالتعليم ومساعدته لشباب لبنان. أكثر من ثلاثين ألف طالب تعلموا على حسابه في مختلف دول العالم. وكان لي شرف أن أكون قريباً منه في هذا الملف، وأسهم في اختيار عدد كبير من هؤلاء الطلاب".
بالنسبة إلى جارودي، لم يكن مشروع الحريري مجرد إعادة إعمار أبنية مهدمة، بل إعادة بناء مجتمع كامل. بدأ بالمساعدات التعليمية، ثم بإعادة إعمار بيروت والمناطق، وترميم المدينة الرياضية وأملاك الدولة والجامعة اللبنانية، وصولاً إلى بناء مسجد محمد الأمين في ساحة الشهداء، الذي أصبح معلماً عمرانياً بارزاً في قلب العاصمة، في محيط يحتضن أيضاً الكنائس التاريخية، في صورة تعكس حرصه على العيش المشترك.
ومن الحوادث التي لا ينساها جارودي أيضاً مسألة شراء عقارات قرب منطقة الرملة البيضاء، في موقع كان يخطّط لإقامة مشروع ديني فيه. قُدّر السعر بنحو خمسة مليارات ليرة، ووافق رئيس البلدية، لكن رئيس ديوان المحاسبة أبلغه أن عليه إما إجراء مزايدة أو الحصول على موافقة وزارة المالية، حتى لا يقال إن الأرض بيعت بسعر أقل من قيمتها.
عندما أبلغ جارودي الحريري بذلك، لم يتردد في إلغاء الصفقة وإعادة الشيك، قائلاً إنه لا يريد أن يقال إنه اشترى بسعر تفضيلي أو على حساب الدولة، "كانت النزاهة أولوية عنده، حتى لو كان قادراً على الدفع".
في جانب آخر من شخصيته، يتذكر جارودي شغف الحريري بالرياضة، وخصوصاً كرة السلة. كان إذا فاز فريق في مباراة نهائية يصر على دعوة الفريقين معاً إلى العشاء، الفائز والخاسر، لأن الرياضة عنده ربح وخسارة، وكان يقول دائماً: الذي لا يخسر لا يربح. الفريقان اللذان يصلان إلى النهائي بطلان، لكن واحداً فقط يفوز".
هذه العبارة بقيت محفورة في ذاكرة جارودي، حتى إنه وضعها على لوحة رخامية مقابل مدخل النادي الرياضي في بيروت: "الرياضة ربح وخسارة"، كان يرى في الرياضة مساحة تجمع اللبنانيين ولا تفرّقهم.
يتوقف جارودي طويلاً عند بدايات فكرة إعادة إعمار وسط بيروت. روى أنه التقى الحريري أول مرة في منزل الرئيس صائب سلام. بعد ذلك استدعاه إلى السعودية، وأجلسه إلى يمينه على مائدة العشاء، وقال له إنه يريد شراء الوسط التجاري المدمّر. أجابه جارودي أن الملكية الفردية في لبنان مقدسة، ولا يمكن نزعها إلا برضى أصحابها، وأن أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى إطار قانوني عبر الدولة، من خلال الاستملاك وإعادة التخطيط والتطوير عبر مجلس الإنماء والإعمار. اقتنع الحريري بالفكرة، وبدأ العمل على مشروع إعادة إعمار وسط بيروت، الذي عُرف لاحقاً باسم سوليدير. كان حلمه أن يمشي أحفاده في شوارع المعرض ويقولوا إن جدّهم أسهم في إعادة بناء البلد".
البلد تغيّر والناس تغيّروا، لكن إنجازات الحريري باقية، بحسب جارودي الذي يسكت برهة ثم يقول دامعاً: "بنى المدينة الرياضية، طوّر المطار، دعم الجامعة اللبنانية، وأسّس لأجيال عبر التعليم. همّه كان رفع مستوى الناس، وبناء البشر مع الحجر، الله يرحم أيامك يا رفيق. الأوادم يتذكرونك، ولبنان لا ينسى فضلك".
نبض