أحمد الحريري في البقاع: تعبئة القاعدة وترك السياسة الكبرى معلّقة
جال الأمين العام لـ"تيار المستقبل" أحمد الحريري على منطقة البقاع امتدّت على ثلاثة أيام، توزّعت بين البقاع الشمالي والبقاع الأوسط، والبقاع الغربي وراشيا. جولة لافتة من حيث الشكل والمضمون، إذ التزم الحريري خلالها إطاراً واضحاً تمثّل بحصر اللقاءات بالقاعدة المستقبلية والمناصرين، إضافة إلى شخصيات معروفة بقربها من التيار، من دون أن يلتقي أي شخصية سياسية أو نيابية فاعلة في المنطقة أو أي حزب سياسي.
وبحسب ما تؤكده التصريحات الرسمية الصادرة عن إعلام "تيار المستقبل"، وكذلك من مقرّبين من أحمد الحريري، فإن لهذه الجولة ثلاثة أبعاد أساسية. البعد الأول، وهو الأوضح، يتمثل في الدعوة إلى مشاركة شعبية كثيفة في إحياء ذكرى 14 شباط، التي ستقام بحضور الرئيس سعد الحريري. ويعوّل التيار في هذا الإطار على البقاع، الذي لطالما شكّل خزّاناً أساسياً للمستقبل، وخصوصاً على مستوى الحشود والمشاركات، في محاولة لإعادة تثبيت هذا الحضور والتأكيد أن التيار لا يزال على نهجه وخياراته، مهما تبدّلت الظروف السياسية.
أما البعد الثاني، فيرتبط بتحضير القاعدة الشعبية لموقف الرئيس سعد الحريري المرتقب، سواء قرر المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، أو المقاطعة، أو حتى العزوف الكامل. ويبدو واضحاً أن الهدف هو تهيئة الأرضية الشعبية مسبقاً، بما يسمح باستيعاب القرار مهما يكن، وتجنّب أي ارتدادات داخلية.
في المقابل، يتمثل البعد الثالث في تفعيل عمل منسقيات المناطق، وإعادة ضخ الحيوية في الهيكل التنظيمي، مع تأكيد الحضور والاستمرارية، رغم كل التحديات السياسية والتنظيمية التي مرّ بها التيار خلال السنوات الأخيرة.
ولا يخفي قياديون في التيار تفهّمهم مرافقة هذه الجولات بضجة إعلامية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق النيابي، إلا أنهم يشددون على أن هذه الزيارات تُنظَّم سنوياً، وأن أحمد الحريري سبق أن قام بجولات مماثلة، ولم ينقطع يوماً عن البقاع الغربي، حيث يحرص على الحضور في أكثر من محطة.
وفي هذا السياق، يرفض المستقبليون الحديث عن دعم شخصيات أو عقد تحالفات انتخابية، معتبرين أن الأمر سابق لأوانه من جهة، ومن جهة ثانية مرتبط بانتظار قرار الرئيس سعد الحريري الذي سيعلنه بنفسه. وبالتالي، لا يمكن الخوض في تفاصيل الانتخابات أو سيناريوهاتها قبل تأكيد إجرائها أصلاً، وقبل اتضاح موقف الحريري النهائي.
غير أن ما برز في عدد من المقاطع المتداولة من زيارة أحمد الحريري للبقاع الأوسط يوحي بأن الشأن الانتخابي يتقدّم عملياً على ما عداه. فقد لفت حديثه عن "محاسبة" شخصيات قال إنها "عملت للمستقبل، لكنها لا تدافع عن سعد الحريري"، في مقابل دفاع "شرس" عن الحريري من قبل من كانوا حتى الأمس القريب من خصومه. هذا الخطاب أعاد فتح النقاش حول إعادة فرز داخل البيئة المستقبلية نفسها، وربما التمهيد لمعايير جديدة في التعاطي مع المرحلة المقبلة.
وإن كان الهدف المعلن من الجولة هو التحشيد لذكرى 14 شباط فإن التحشيد، بتوقيته وأدواته، لا ينفصل عملياً عن منطق الحملات الانتخابية. فكل ما يُبنى اليوم على مستوى الخطاب والتنظيم والتعبئة، يمكن أن يُصرف انتخابياً في المرحلة اللاحقة، مهما كان قرار سعد الحريري النهائي. من هنا، تبدو جولة أحمد الحريري في البقاع أقرب إلى خطوة سياسية متعددة الوظائف، تجمع بين شدّ العصب، وإعادة تنظيم البيت الداخلي، وترك الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات.
نبض