من جنوب الليطاني إلى شماله: حدود خطة الجيش اللبناني في استعادة السيطرة
منذ أن أعلن الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة في منطقة جنوب نهر الليطاني، عاد هذا الملف ليتصدر النقاش السياسي والأمني، لا بوصفه إجراءً تقنيا محدودا، بل كمسار متدرّج وضعته المؤسسة العسكرية منذ سنوات ويجري اليوم استحضاره في ضوء المتغيرات الميدانية والضغوط الداخلية والخارجية. فالخطة التي كشف عن مراحلها الخمس لم تُبنَ على فكرة نزع شامل وفوري للسلاح، بل على استعادة السلطة الأمنية للدولة عبر تدرج جغرافي محسوب، ينطلق من الأطراف ويتجه نحو المركز.
وفق ما هو مطروح في هذه الخطة، تبدأ المرحلة الأولى جنوب الليطاني، حيث استكمل الجيش انتشاره بالتنسيق مع "اليونيفيل"، وعمل على نزع السلاح والمظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر، مستفيدا من غطاء القرار 1701 ومن واقع وقف الأعمال العدائية. هذه المرحلة شكلت الأساس العملي للخطة، وأثبتت أن استعادة الدولة دورها الأمني ممكنة حين تتوافر المرجعية الدولية والغطاء السياسي الداخلي.
المرحلة الثانية، وهي محور الجدل اليوم، تمتد من نهر الليطاني إلى الأولي شمال صيدا، أي في المنطقة التي تشكل البوابة الشمالية للجنوب والحدّ الفاصل بين مسرح العمليات الحدودي وعمق الداخل اللبناني. إدراج هذه المنطقة في الخطة لا يعني تلقائيا استنساخ نموذج جنوب الليطاني، إذ إن الفارق الأساسي يكمن في غياب المرجعية الدولية المباشرة، ما يجعل قدرة الجيش على التحرك مرتبطة في شكل وثيق بالقرار السياسي وبحسابات الاستقرار الداخلي. واقعيا، ما يمكن الجيش تقديمه في هذه المرحلة يتمثل في تعزيز انتشاره، وضبط السلاح الظاهر، ومنع أي مظاهر مسلحة علنية أو نشاطات عسكرية مكشوفة، وإمساك الأرض أمنيا من دون الخوض في مسار نزع شامل أو مواجهة مباشرة مع قوى منظمة. أي أن المرحلة الثانية، كما تبدو في مقاربة الجيش، هي مرحلة تثبيت سلطة الدولة ومنع الانفلات، لا كسر التوازنات بالقوة.

أما المرحلة الثالثة من الخطة، فتشمل بيروت وضواحيها ومحيطها وصولا إلى منطقة البقاع، وهي الأكثر تعقيدا وحساسية، لأنها تنقل العمل من الأطراف إلى قلب البلاد السياسي والديموغرافي. هنا يصبح ضبط السلاح مرتبطا مباشرة بمكافحة شبكات التهريب، وضبط المعابر غير الشرعية على الحدود اللبنانية - السورية، وإعادة الاعتبار إلى دور الدولة في العاصمة ومحيطها، حيث يتداخل السلاح مع الاقتصاد غير الشرعي والنفوذ السياسي.
المرحلتان الرابعة والخامسة، وفق التصور العام للخطة، تتجهان نحو استكمال ضبط الحدود كليا، وحصر السلاح في المخيمات الفلسطينية، ثم تثبيت السيطرة الشاملة للدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بما يكرّس احتكار المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها لاستخدام القوة. هذه المراحل الأخيرة تبقى حتى الآن في الإطار النظري أكثر منها التنفيذي، إذ ترتبط بشروط سياسية وأمنية لم تنضج بعد.
في هذا السياق، تبرز الشروط التي تقوم عليها الخطة عنصرا حاسما في فهم حدودها. فالشرط الأساسي المعلن هو وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحابها الكامل، ما يعني أن تنفيذ أي مرحلة لاحقة يبقى مرتبطا مباشرة بالوضع الإقليمي وبمدى صلابة وقف النار. كما أن اعتماد آلية التقارير الشهرية التي يرفعها الجيش إلى الحكومة يعكس حرص المؤسسة العسكرية على إبقاء التنفيذ تحت سقف القرار السياسي، وتجنب تحميلها أعباء تتجاوز قدرتها أو تفويضها.
من هنا، يمكن قراءة المرحلة الثانية لا باعتبارها مقدمة لنزع شامل للسلاح شمال الليطاني، بل حلقة انتقالية في مسار طويل، بهدف إحكام السيطرة الأمنية للدولة ومنع تحوّل أي منطقة إلى مساحة خارجة عن السيطرة. وبين من يرى في هذه المرحلة استكمالا طبيعيا لما بدأ جنوب الليطاني، ومن يعدّها شأنا داخليا خاضعا للتوازنات، يبقى الثابت أن الجيش يتحرك ضمن هامش واقعي، يحاول من خلاله توسيع حضور الدولة من دون المجازفة بالاستقرار أو الزج بالمؤسسة العسكرية في صدام سياسي مفتوح.
في المحصلة، تكشف خطة حصر السلاح بيد الدولة عن مقاربة تقوم على النفس الطويل لا على القرارات الصدامية، وعن إدراك عسكري أن استعادة السلطة الأمنية لا تُفرض دفعة واحدة، بل تُبنى تدريجا، مرحلة بعد مرحلة، في انتظار اللحظة السياسية السانحة للانتقال من إدارة الواقع القائم إلى تغييره فعليا.
يمكن قراءة المرحلة الثانية لا باعتبارها مقدمة لنزع شامل للسلاح شمال الليطاني، بل حلقة انتقالية في مسار طويل
نبض