حين تصبح العودة في جنوب لبنان بعيدة المنال: "بيتي على بُعد أمتار ولا أجرؤ على العودة إليه"

لبنان 06-11-2026 | 12:45

حين تصبح العودة في جنوب لبنان بعيدة المنال: "بيتي على بُعد أمتار ولا أجرؤ على العودة إليه"

في جنوب لبنان، لا تُقاس المسافة إلى الحياة التي عرفها الناس بالأمتار، بل بقدرتهم على استعادتها
حين تصبح العودة في جنوب لبنان بعيدة المنال: "بيتي على بُعد أمتار ولا أجرؤ على العودة إليه"
منازل مدمرة في جنوب لبنان (رويترز).
Smaller Bigger

فاتن كحيل

 

"بيتي على بُعد أمتار، لكنّي لا أجرؤ على العودة إليه. أدفع إيجار منزل آخر وأراه أمامي كلّ يوم، فيما أخشى أن أخسر بيتي وحياتي إن حاولت الوصول".

 

بهذه الحسرة يختصر سليم يزبك مأساة عائلات في دير ميماس اضطرت إلى ترك منازلها من دون مغادرة البلدة. فمنزله القائم عند أطرافها قرب مواقع القوات الإسرائيليّة، لا يزال قائماً، لكن الوصول إليه بات محفوفاً بالأخطار. وبين البيت الذي تركه والمسكن الذي استأجره في البلدة، أمتار قليلة، ومسافة تحولت إلى حاجز يفصل عائلته عن حياتها السابقة.

 

لا تقتصر معاناة سليم على أعباء الإيجار في ظلّ ظروف اقتصاديّة صعبة، بل تتجاوزها إلى رؤية منزله أمام عينيه من دون أن يستطيع دخوله. وهكذا، القرب الذي يُفترض أن يولّد الطمأنينة، صار سبباً إضافيّاً للحسرة.

 

بلدة واحدة وواقعان

في دير ميماس، وبرج الملوك، وشبعا، وكفرشوبا، وحلتا وبلدات أخرى في قضاءي مرجعيون وحاصبيا، لا تتوزّع المعاناة بالتساوي. فبينما يتمكّن بعض السكان من متابعة شؤونهم اليوميّة، يواجه آخرون قيوداً ومخاطر تحول دون وصولهم إلى منازلهم وأراضيهم. ولا يعني البقاء في البلدة أن الحياة تسير طبيعيّا، إذ تعوق السواتر الترابية حركة المرور على بعض الطرق، فيما تجعل الأخطار الأمنية المرتبطة بالقرب من مواقع القوات الإسرائيليّة التنقل مجازفة.

 

الدمار في جنوب لبنان جراء القصف الإسرائيلي (رويترز).
الدمار في جنوب لبنان جراء القصف الإسرائيلي (رويترز).

 

 

ويمتدّ هذا الواقع إلى الأراضي الزراعيّة، حيث يتعذّر على بعض أصحابها بلوغ حقولهم للاعتناء بأشجار الزيتون وجني محاصيلهم، بما يهدّد مصدراً أساسيّاً للدخل لدى عائلاتهم. وهكذا، تتراكم الأعباء بين كلفة السكن الإضافي واحتمال خسارة الموسم الزراعي، فيما تتراجع قدرة السكان على الاعتماد على مواردهم المحليّة.

 

مسؤوليات تتجاوز قدرة البلديات

في ظلّ هذه الظروف، تجد البلديّات نفسها مسؤولة عن خدمة جميع السكان، فيما تحدّ الأخطار الأمنية وصعوبة الوصول من قدرتها على التحرك والاستجابة، ليصبح الحفاظ على الخدمات الأساسيّة، من المياه إلى البنى التحتية مهمّة شاقة، إذ تحولت الطرق نفسها مصدراً للخطر.

 

في كفرشوبا مثلاً، يبرز تحدي الوصول إلى مضخة مياه خارج البلدة، بعدما انقطعت الكهرباء التي كانت تغذّيها. واضطرّ مسؤولون بلديون إلى التصرف لإيصال الوقود وإعادة تشغيلها. ويقول رئيس المجلس البلدي قاسم قادري: "ليس لدينا خيار آخر، علينا أن نذهب إلى هناك".

 

ويتحدث الموظّف البلدي محمد الحاج عن تردّد السكان في الوصول إلى أراضيهم، موضحاً أن الخوف لا يرتبط بالضرورة بوجود منع رسمي، بل بالغموض المحيط بمكان الخطر وحدوده.

 

وتقول فريال عبد العال، من سكّان كفرشوبا: "لا نعرف متى يدخل الجيش الإسرائيلي بيوتنا. لا أمان".

 

وتوضح رئيسة بلدية دير ميماس تانيا برنابا أن الوصول إلى بعض المنازل أو القرى المجاورة يفرض سلوك طرق طويلة بدلاً من استخدام الطرق الأقرب. 

 

ولا تقتصر التداعيات على التنقل والخدمات الأساسيّة، بل تطال النشاط الاقتصادي أيضاً. ففي مرجعيون، اضطر زياد إلى إقفال صيدليته بسبب قربها من موقع عسكري إسرائيلي، ما يحد من قدرة السكان على الحصول على خدمات يحتاجون إليها في محيطهم.

بين القيود والانتظار
في جنوب لبنان، لا تُقاس المسافة إلى الحياة التي عرفها الناس بالأمتار، بل بقدرتهم على استعادتها. فحين يصبح المنزل مصدر قلق بدلاً من أن يكون ملاذاً، وتتحوّل الأرض التي ورثتها العائلات عن آبائها إلى مكان يتعذّر الوصول إليه، لا تعود الخسارة محصورة بما تضرّر أو فُقد، بل تمتدّ إلى ضرب الإحساس بالأمان والقدرة على التخطيط للغد. وبين ما يحتفظ به الناس من ارتباط بقراهم وما تفرضه الأخطار على يوميّاتهم، يبقى السؤال الأصعب معلّقاً: كيف يمكن الإنسان أن يستعيد حياته، فيما لا يزال يشعر بأنه غريب عن المكان الذي ينتمي إليه؟


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 11/5/2026 12:00:00 AM
متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية قال إن واشنطن تشيد بالاتهامات التي وُجهت حتى الآن بقضية المتفجرات، وتواصل متابعتها عن كثب، مشدداً على أنه يجب عدم التساهل مع أي من المتورطين في مخططات إرهابية
فن ومشاهير 11/3/2026 10:03:00 AM

بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".