من مكافحة الإرهاب إلى محاكاة الفضاء: فادي كنعان يشقّ طريقه نحو النجوم (فيديو)
فادي كنعان ليس مجرّد اسم لبناني بين تسعة اختيروا لمهمة تحاكي الفضاء، بل إنه "فخر" للبنان بشاب لم ينتظر أن تُمهَّد له الطريق، بل اختار أن يشقّها بنفسه، حاملاً إصراره إلى حيث لم يصل لبناني قبله.
رحلة لم تكن في الحسبان
من الأمن إلى الفضاء، لم يكن هذا العالم يوماً ضمن المسار الأكاديمي الذي أعدّ كنعان نفسه له. فخلال عمله في الإنتربول ومجالات الأمن الدولي، أتيحت له فرصة الاحتكاك بملفّات مرتبطة بأمن الفضاء، قبل أن يعاود زملاء التواصل معه قبل نحو عام، ويشجّعوه على التقدّم إلى البرنامج.
كذلك، لم يكن يتوقّع الوصول إلى المرحلة الأخيرة، إلا أنه قرّر خوض التجربة رغم ذلك. وعلى مدى نحو عشرة أشهر، اجتاز مراحل اختيار متتالية، استُلهمت من آليات انتقاء روّاد الفضاء في وكالة الفضاء الأوروبية، وشملت فحوصاً طبية ونفسية، واختبارات وتقييماً ومقابلات مصوّرة.
ومن بين نحو 400 متقدّم، وصل 20 مرشّحاً إلى المرحلة النهائية الحضورية في لوزان. هناك، وعلى مدى 88 ساعة، خضعوا لاختبارات فردية وجماعية مكثّفة، شملت القدرة على تحمّل الضغط، والتفكير النقدي، وحلّ المشكلات، والتكيّف مع أشخاص من خلفيات مختلفة، والعمل ضمن فرق تتبدّل باستمرار.
لكن ما الذي دفع لجنة الاختيار إلى انتقاء شاب لا يأتي من خلفية متخصصة في الفضاء؟
يكشف كنعان لـ"النهار" أن مهارات التواصل والعمل الجماعي والقيادة كانت من أبرز العناصر التي ساعدته على التميّز والوصول إلى هذه المرحلة، وذلك بحسب ما أخبره به كلود نيكولييه، وهو رائد فضاء سويسري سابق، ويشغل دور المرشد لطاقم برنامج Asclepios. فالمهمة لا تتطلّب معرفة تقنية فحسب، بل أيضاً القدرة على اتخاذ القرارات تحت الضغط والتعاون في ظروف استثنائية.
وهكذا، أصبح كنعان أول لبناني ينضمّ إلى البرنامج، والعربي الوحيد في دفعة هذا العام، بعد مشاركة مغربية سابقة. إنجاز يتجاوز حدود الاختيار نفسه، ليفتح أمامه مساراً نحو طموح أكبر.

ماذا بعد اختياره؟
اختيار كنعان ليس رحلة إلى الفضاء بعد، بل بداية مرحلة جديدة من التدريب. فمن الآن وحتى تموز/يوليو 2027، سيخوض تدريبات متخصصة في بلدان مختلفة، تشمل الإسعافات والدفاع المدني، والتعامل مع الظروف القاسية، ورحلات تحاكي انعدام الجاذبية، والتدريب على الغوص.
وفي تموز المقبل، سيعيش أعضاء الطاقم في عزلة داخل منشأة تحت الأرض في سويسرا، كانت تُستخدم ملجأً خلال الحرب العالمية الثانية، قبل تحويلها إلى مركز للتدريب على المهمات الفضائية المحاكية. وسيُطلب منهم إجراء تجارب والعيش كما لو أنهم في مهمة على القمر أو المريخ، تحت مراقبة مركز تحكّم يتابع أداءهم على مدار الساعة.
لكن كنعان يدرك أن اجتياز البرنامج وحده لا يكفي لتحقيق حلمه، ولا سيما أنه ينطلق من لبنان، حيث لا تتوافر منظومة متكاملة لإعداد روّاد الفضاء، على غرار ما هو متاح لبعض المشاركين الآخرين. لذلك، لا يكتفي بالتدريبات التي يوفرها "أسكليبيوس"، بل يعمل بالتوازي على تطوير قدراته البدنية والعلمية، مستعيناً بفريق "بيروت بيرفورمنس سنتر" للتحضير البدني، إلى جانب البحث والتدريب المتخصص، في محاولة لردم الفجوة وصناعة مساره الخاص نحو الفضاء.
ويقول إن التحدّي الأكبر هو غياب نموذج لبناني سابق يسلك الطريق نفسه. فبينما يستطيع آخرون الاسترشاد بتجارب أشخاص من بلدانهم وصلوا إلى الفضاء، يشعر بأنه يبني مساره بنفسه، من خلال البحث والتواصل مع المختصين والتدرّب على ما يحتاج إليه.

طموح يتجاوز التجربة... وأهل لم يعرفوا شيئاً
من هنا، لا ينظر كنعان إلى "أسكليبيوس" باعتباره إنجازاً منفصلاً، بل خطوة نحو هدف يرتبط بخبرته السابقة: أمن الفضاء والدفاع عنه. ويرى أن المنافسة العالمية المتزايدة في هذا المجال تجعل الاستعداد له اليوم ضرورة للمستقبل، فيما قد تتيح له هذه التجربة الاقتراب أكثر من عالم ظلّ بعيداً عن الفرص المتاحة للشباب اللبناني.
والمفارقة أن عائلته لم تكن تعرف شيئاً عن رحلة الاختيار، إذ لم يكن مسموحاً له كشف تفاصيلها. ولم يعرف أهله بالخبر إلا بعدما صادفوه عبر الإنترنت. في البداية، لم تستوعب والدته ما قرأته، فيما أدرك والده أهمية الأمر سريعاً، قبل أن تسأله والدته أخيراً: "يعني طالع عالفضاء؟". أجابها بأنه ذاهب إلى تدريب، لا إلى الفضاء بعد، لكنه لم يُخفِ أمله في أن يصل إليه يوماً.
ورغم أن قصة كنعان اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها لم تصل بعد إلى الجهات الحكومية. مفارقة تختصر واقعاً لبنانياً يتكرّر مع كل إنجاز يُصنع بجهود فردية، حين يجد أصحابه أنفسهم مضطرين إلى خوض الطريق وحدهم، من دون منظومة تحتضن طموحاتهم أو إمكانات تواكبها.
ومع ذلك، يواصل اللبنانيون إثبات قدرتهم على الوصول إلى المحافل العالمية ومنافسة من يمتلكون ما لا يمتلكونه؛ لا لأن الطريق أمامهم أسهل، بل لأنهم يصرّون على المضيّ فيه رغم كل ما ينقصهم. وفادي كنعان ليس مجرّد اسم لبناني بين تسعة اختيروا لمهمة تحاكي الفضاء، بل إنه "فخر" للبنان بشاب لم ينتظر أن تُمهَّد له الطريق، بل اختار أن يشقّها بنفسه، حاملاً إصراره إلى حيث لم يصل لبناني قبله.
نبض