لبنان بعد تعثر تامبا: مواجهة تصاعد الضغوط واحتمالات الحرب

لبنان 24-10-2026 | 18:30

لبنان بعد تعثر تامبا: مواجهة تصاعد الضغوط واحتمالات الحرب

يبدو لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن يتحول الضغط الدولي إلى مسار متوازن يعزز مؤسسات الدولة ويحدّ من حرية التصعيد، وإما أن يبقى عالقاً بين شروط إسرائيل وحسابات إيران ومخاوف الولايات المتحدة.

لبنان بعد تعثر تامبا: مواجهة تصاعد الضغوط واحتمالات الحرب
غارة إسرائيلية على بلدة النبطية الفوقا (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تعد المخاطر التي تواجه لبنان محصورة في تعثّر المفاوضات الرامية إلى تثبيت الاستقرار جنوباً وحصر السلاح بيد الدولة. فمع انتهاء اجتماعات تامبا العسكرية الأميركية ـ اللبنانية ـ الإسرائيلية من دون اختراق واضح، تتزايد المخاوف من أن يتحول الجمود السياسي والميداني إلى مدخل لتصعيد أوسع، خصوصاً إذا تجددت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية وقرر "حزب الله" التدخل دعماً لطهران.

 

في اجتماعات تامبا التي عُقدت يومي ٢٠ تشرين الأول و21 منه، برز الخلاف على آلية التحقق من تنفيذ التفاهمات، فيما لم تتوقف الضربات الإسرائيلية. وأصرّت بيروت على ضرورة وقف الهجمات ومعالجة الانتهاكات، في حين تمسكت إسرائيل بمطالبها الأمنية، ولوّحت بالتحرك منفردة ما لم يتمكن الجيش اللبناني من إزالة التهديدات التي تقول إنها قائمة في منطقتين تجري فيهما ترتيبات ميدانية تجريبية. ولم يُعلن عن اختراق يتيح الانتقال إلى مرحلة سياسية أكثر تقدماً.

 

تامبا: تفاوض بلا ضمانات

تكشف هذه النتيجة محدودية المسار العسكري عندما لا يقترن بآلية واضحة تجبر الأطراف على التزامات متبادلة. فلبنان مطالب بإثبات قدرته على بسط سلطة الدولة، لكن استمرار الضربات الإسرائيلية والوجود العسكري الإسرائيلي في نقاط داخل الأراضي اللبنانية يضعفان قدرة الحكومة على تقديم ضمانات بأن التقدم الأمني سيقود إلى وقف التصعيد، لا إلى مطالب جديدة.

 

وتواجه السلطة اللبنانية معادلة صعبة: إظهار جدية تنفيذ قراراتها المتعلقة بحصرية السلاح، والحؤول في الوقت نفسه دون استخدام هذه القرارات غطاءً لتوسيع العمليات الإسرائيلية. أما الاكتفاء بالرهان على المفاوضات من دون نتائج ميدانية ملموسة، فيهدد بتحويلها إلى مسار مفتوح لكسب الوقت، فيما يبقى لبنان عرضة لضربات قد تتسع تبعاً لحسابات إسرائيلية وإقليمية. 

 

الأكثر خطورة أن الأزمة اللبنانية تتقاطع مع احتمال تجدد المواجهة بين واشنطن وطهران. فإذا عادت الولايات المتحدة إلى شن ضربات على إيران، فقد يجد "حزب الله" نفسه أمام قرار بالغ الحساسية: هل يتدخل عسكرياً لمساندة حليفته، أو يتجنب فتح جبهة لبنانية جديدة في بلد لم يتعافَ بعد من الحرب والدمار والنزوح؟

 

لا يعني رفع الجهوزية العسكرية أو الاستعداد لاحتمال المواجهة، أن قرار المشاركة قد اتُّخذ نهائياً. فحسابات الحزب ستتأثر بحجم الضربات التي قد تتعرض لها إيران، وطبيعة الرد الأميركي، وقدرته على تحمل تبعات حرب جديدة في لبنان. ولكن إذا اختار التدخل، فقد يعطي إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها، بما يتجاوز الجنوب إلى مواقع وبنى تحتية أخرى، ويحوّل الأراضي اللبنانية مجدداً إلى إحدى ساحات الصراع الإقليمي.

 

هنا تكمن المخاطرة الإستراتيجية: قد يُتخذ قرار عسكري مرتبط بحسابات طهران الإقليمية، فيما يتحمل لبنان كله كلفته البشرية والاقتصادية والسياسية. ومن شأن اتساع المواجهة أن يضعف المؤسسات اللبنانية، ويقوض فرص التعافي، ويجعل استعادة سلطة الدولة أكثر صعوبة. لذلك، لا يمكن التعامل مع احتمال الحرب الأميركية ـ الإيرانية بوصفه ملفاً خارجياً منفصلاً عن مستقبل لبنان.

 

واشنطن بين الضغط والاحتواء 

تجد واشنطن نفسها أمام اختبار مزدوج. فهي تضغط على السلطات اللبنانية لتطبيق قرارات حصرية السلاح وتعزيز دور الجيش، لكنها تحتاج أيضاً إلى منع إسرائيل من توسيع الحرب، وإلى الحيلولة دون استخدام لبنان جبهةً إضافية في أي مواجهة مع إيران.

 

إذا اقتصر الضغط الأميركي على بيروت من دون خطوات متوازنة لوقف الهجمات الإسرائيلية ودفع الانسحاب، فقد تتراجع قدرة الحكومة على إقناع اللبنانيين بجدوى المسار الديبلوماسي. وفي المقابل، سيزيد تدخل "حزب الله" في حرب إقليمية جديدة عزلة لبنان ومخاطره، ويضعف حجة الدولة في المطالبة بقرار مستقل للحرب والسلم.

 

ولا يعني ذلك مساواة المسؤوليات أو تجاهل مسألة السلاح، بل إن استعادة السيادة تقتضي مسارين متلازمين: تعزيز قدرة الدولة على فرض سلطتها، والضغط لوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وتوفير ضمانات قابلة للتحقق.

 

منع الحرب يبدأ بمنع الفراغ

مع اقتراب انتهاء مهمة "اليونيفيل"، تزداد الحاجة إلى ترتيبات دولية واضحة تمنع نشوء فراغ أمني، وتدعم الجيش اللبناني بالتجهيز والتدريب والقدرات اللازمة. لكن أيّ مهمة أوروبية أو صيغة دعم بديلة لا يمكنها أن تحل وحدها محل التسوية السياسية، ولا أن تعالج الخلافات المتعلقة بالسلاح والانسحاب والضمانات.

 

في المحصلة، يبدو لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن يتحول الضغط الدولي إلى مسار متوازن يعزز مؤسسات الدولة ويحدّ من حرية التصعيد، وإما أن يبقى عالقاً بين شروط إسرائيل وحسابات إيران ومخاوف الولايات المتحدة. لا شيء يجعل العودة إلى حرب واسعة أمراً حتمياً، لكن تعثّر تامبا، واستمرار الضربات، واحتمال تجدد الصراع الأميركي ـ الإيراني، تجعل الخطر جدياً ولا يجوز التقليل منه.

 

المطلوب تحرك استباقي يمنع جرّ لبنان إلى مواجهة لا يملك قرارها ولا يحتمل كلفتها، ويثبت أن حماية البلاد تبدأ باستعادة الدولة قرار الحرب والسلم، لا بتركه رهينة المفاوضات المتعثرة أو الصراعات الإقليمية.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 10/23/2026 7:35:00 PM
قال الملك عبدالله الثاني: "سنضرب بيد من حديد من تطاول على بلدنا"، مشيراً إلى أن "من توهّم أنّ رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا".
فن ومشاهير 10/22/2026 6:49:00 PM
الليلة، تتبدّل المعادلة. لن يعود الجمهور مجرّد مستمع خلف الشاشة، ولن يبقى التصفيق صوتاً متخيّلاً في تسجيل غنائي. سيكون الحضور حقيقياً، وكذلك اللقاء.
فن ومشاهير 10/23/2026 12:52:00 AM
لم يكن مجرد حفل موسيقي ضمن تقويم الفعاليات، بل كان موعداً مع الذاكرة العاطفية لجيل كامل. من قلب الرياض، أنهى فضل شاكر 14 عاماً من الغياب القسري في ليلة مفعمة بالشجن.
رياضة 10/22/2026 10:37:00 AM
تفاصيل مباراة الرجاء الرياضي المغربي ضد إل كانيمي واريورز النيجيري في إياب الدور التمهيدي لكأس الكونفدرالية الأفريقية 2026 على ملعب محمد الخامس.