أنفاق الذهب في لبنان: حكايات شعبية أو حقيقة علمية؟
فهل يحقّ لأيّ شخص أن يحفر في الأرض بحثاً عن الذهب؟ وما الضوابط القانونية التي تحكم أعمال التنقيب؟

في الذاكرة الشعبية
"في الذاكرة الشعبية يتحدث الناس باستمرار عن الذهب، ولكن ليس هناك ذهب". بهذه العبارة يختصر المدير العام للآثار سركيس خوري لـ"النهار" ما يراه "إشاعات متوارثة" عن وجود الذهب المدفون في لبنان. ويوضح أنّ العثور على كميات قليلة من الذهب خلال بعض الحفريات الأثرية لا يعني أنّ البحث يجري عن هذا المعدن.
ويشدّد خوري على أنّ المواد الأولية الموجودة في باطن الأرض ملك للدولة، والحفر بحثاً عن الآثار أو المعادن خارج الأطر المسموح بها يُعدّ تنقيباً غير شرعي.
ماذا تقول الجيولوجيا؟
يؤكد الباحث في علوم الجيولوجيا سمير زعاطيطي لـ"النهار" أنّ طبيعة لبنان الجيولوجية لا تحتوي على رواسب طبيعية للذهب الخام، موضحا أنّ الصخور التي يتكوّن منها لبنان هي في معظمها صخور رسوبية تشكّلت في قاع البحار والمحيطات القديمة، وليست بركانية آتية من باطن الأرض، لذلك يستبعد أن يكون النفق المكتشف في الفنار قد حُفر بغرض البحث عن الذهب.
ولكن ماذا عن الحكايات المتوارثة عن الذهب؟ يشرح زعاطيطي أنّ ما قد يعثر عليه الناس في بعض المناطق يعود إلى مقتنيات تاريخية أو مدفونات بشرية سابقة، مثل جرار تحتوي على كميات محدودة من الذهب، وليس الذهب الخام الموجود بصورة طبيعية في الأرض.
والكشف عن المعادن، يتطلب وفق زعاطيطي دراسات متخصصة في جيولوجيا المناجم، تشمل تحليل الصخور والتراكيب الجيولوجية وتحديد المواقع المحتملة للرواسب المعدنية، إلى جانب الفحوص العلمية والمخبرية. في حين تتطلب مناجم الذهب حفراً أفقياً واسعاً وخبرة علمية دقيقة، وهي ممارسات غير متاحة في الطبيعة الجيولوجية للبنان مقارنة بالدول الإفريقية الغنية بالمعادن.

هل يحقّ لأيّ شخص التنقيب؟
يوضح الخبير القانوني كريم ضاهر أن لا نصّ قانونيا يحدّد مباشرة شروط البحث عن الذهب أو حفر أنفاق لهذه الغاية في لبنان. لكن غياب نصّ خاص لا يعني أنّ للأفراد حرية مطلقة في الحفر والتنقيب، إذ إنّ ملكية الأرض لا تعطي صاحبها حقّ التصرّف بلا قيود في باطنها.
وتختلف الأحكام القانونية بحسب موقع العثور على المواد وطبيعتها. فما يُستخرج من أرض الغير أو من الأملاك العامة والمشاعات لا يصبح ملكاً لمن يعثر عليه، بل يشكّل تعدّياً على حقوق الغير، ويستوجب استرداده أو الإبلاغ عنه وتسليمه إلى الدولة، وفقاً لتصنيفه والأحكام القانونية المنطبقة عليه.
أمّا إذا اكتُشفت ثروة وطنية أو موارد تخضع لنظام قانوني خاص في أرض يملكها فرد، فإنّ ملكية العقار وحدها لا تكفي لتحديد حقّه في استغلالها، إذ قد تتدخّل الدولة لتنظيم استثمار هذه الموارد أو استملاك العقار وفقاً للقانون.
في المقابل، يوضح الخبير القانوني عادل يمين لـ"النهار" أنّ ملكية الأرض لا تخوّل صاحبها حقًّا مطلقًا في الحفر أو الجرف بحثًا عن الذهب والكنوز، إذ يبقى ملزمًا القيود التي تفرضها القوانين اللبنانية، ولا سيما التشريعات المتعلقة بالملكية العقارية والآثار القديمة والمناجم.
ويشير إلى أنّ المادة 237 من قانون الملكية العقارية تنصّ على تقسيم الكنز الذي يُعثر عليه في الأرض، بحيث يحصل مالك العقار على ثلاثة أخماس، والمكتشف على خُمس، والخزينة العامة على الخُمس المتبقي، وذلك ضمن القيود والاستثناءات التي تحدّدها القوانين النافذة. غير أنّ هذه القاعدة لا تنطبق على الآثار القديمة التي تعدّ قانوناً ملكًا للدولة اللبنانية.
ويضيف: "إذا كان التنقيب يستهدف الذهب بوصفه مادة معدنية خاضعة لنظام المناجم، فيخضع الأمر للقرار 113/ل.ر. المتعلق بنظام المناجم، وما يفرضه من شروط وإجراءات ترخيص من الجهات المختصة، بما فيها وزارة الطاقة والمياه، وفقًا لطبيعة النشاط.".
في المحصلة، لا يمكن حسم قانونية أنفاق الذهب بالاستناد إلى ملكية الأرض وحدها. ويبقى تحديد الأحكام المنطبقة مرتبطاً بطبيعة الحفر وموقعه والمواد المستهدفة، وبالقوانين التي تنظّم الآثار والموارد الموجودة في باطن الأرض.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
أبرز 5 أخبار حتى الساعة الخامسة بتوقيت بيروت من "النهار".
نبض