مصدر دولي: غياب الأمم المتحدة عن جنوب لبنان يهدد بفراغ أمني ويزيد مخاطر المواجهة مع إسرائيل
باريس - كشف مصدر دولي رفيع المستوى، متابع عن كثب للأوضاع في جنوب لبنان ولمستقبل (اليونيفيل)، أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد طبيعة الوجود الدولي في الجنوب اللبناني، مع اقتراب انطلاق المفاوضات في مجلس الأمن حول الترتيبات التي ستعقب انتهاء مهمة اليونيفيل.
وأوضح المصدر أن المشاورات مع كبار المسؤولين اللبنانيين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، أظهرت وجود قلق مشترك من احتمال انسحاب الأمم المتحدة من الجنوب من دون توفير آلية دولية بديلة تضمن مراقبة الخط الأزرق وتمنع الاحتكاكات العسكرية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
وأشار إلى أن الخيارات المطروحة أمام الأمم المتحدة لم توضع بصورة منفردة، بل استندت إلى مطالب وملاحظات لبنانية، وخصوصاً رغبة لبنان في المحافظة على وجود دولي يؤدي وظائف أساسية تتعلق بمراقبة الانتهاكات وتوثيقها وخفض التصعيد وتقديم الدعم للجيش اللبناني والمساعدة في تسهيل العمليات الإنسانية.
واعتبر المصدر أن أخطر ما قد يترتب على انتهاء مهمة اليونيفيل هو غياب جهة دولية مستقلة تتولى مراقبة الخط الأزرق وإعداد التقارير عن الانتهاكات الإسرائيلية. ولفت إلى أن اللبنانيين يخشون أن تستغل إسرائيل غياب المراقبين الدوليين لمواصلة التوغل والتعديات على الأراضي اللبنانية، من دون وجود جهة محايدة توثق هذه التحركات وترفع تقارير بشأنها إلى الأمم المتحدة. وأوضح أن المشكلة لا تقتصر على المراقبة العسكرية، بل تشمل أيضاً غياب آلية قادرة على التدخل السريع لخفض التصعيد عند وقوع احتكاكات بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية. وكشف أن قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، عبر بوضوح للجهات الدولية عن هذه المخاوف، إذ حذر من احتمال وقوع حوادث خطيرة بين الجنود اللبنانيين والإسرائيليين إذا غابت القوة الدولية التي تؤدي حالياً دور الوسيط الميداني. كما أبدى هيكل قلقه من ضياع الإنجازات التي تحققت خلال الاجتماعات الثلاثية السابقة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي برعاية اليونيفيل.
ولفت المصدر إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام يبدو ميالاً إلى البحث عن صيغة قوة متعددة الجنسيات، انطلاقاً من اعتقاده أن استمرار وجود الأمم المتحدة بعد انتهاء مهمة اليونيفيل قد يكون صعباً. وأوضح أن سلام دعا في نيويورك إلى التفكير بصورة مبتكرة في ترتيبات ما بعد اليونيفيل، سواء من خلال قوة متعددة الجنسيات أو استمرار وجود أممي بصيغة جديدة.
غير أن المصدر شدد على أن المبادرة الفرنسية الإيطالية المتعلقة بتشكيل قوة متعددة الجنسيات لا تزال قيد المناقشة، ولم يتحقق حتى الآن أي اتفاق نهائي بشأنها. وكشف عن نقطة أساسية تم توجيهها الى المسؤولين اللبنانيين، وهي أن المنطقة الواقعة بين الخط الأصفر والخط الأزرق لن تشهد، وفق تقديره، انتشار قوة متعددة الجنسيات. وقال إن الاحتمالين المطروحين في هذه المنطقة بعد الأول من كانون الثاني المقبل هما بقاء القوات الإسرائيلية وحدها، أو استمرار وجود إسرائيلي إلى جانب قوة تابعة للأمم المتحدة.
واعتبر أن هذه الحقيقة ينبغي أن تكون حاضرة في حسابات المسؤولين اللبنانيين عند تحديد موقفهم من المفاوضات المقبلة. وأعرب المصدر عن انطباعه بأن القيادة اللبنانية لم تمنح خلال الأشهر الأخيرة الاهتمام الكافي لمرحلة ما بعد اليونيفيل، ربما بسبب انشغالها بالمسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي الذي ترعاه الولايات المتحدة، وبالاجتماعات التي تعقد في إطار الآلية الثلاثية. ورأى أن هذا الانشغال ربما أدى إلى تأخير بلورة موقف لبناني واضح وموحد بشأن طبيعة الوجود الدولي المطلوب في الجنوب.

لكنه أكد في الوقت نفسه أن الرئيس عون ورئيس الحكومة سلام وسائر المسؤولين يرغبون في استمرار وجود دولي، مع تفضيل واضح لدى بعضهم لبقاء الأمم المتحدة. وشدد على أن الرسالة الأساسية من الامم المتحدة هي ضرورة إسماع صوت لبنان خلال المفاوضات المقبلة في مجلس الأمن، لأن الدولة اللبنانية هي المعنية الأولى بنتائجها. واعتبر أن الموقف اللبناني الموحد قد يساعد في التأثير على مواقف الدول الأعضاء، بما فيها الولايات المتحدة.
وتوقف المصدر عند الموقف الأميركي، مشيراً إلى أن واشنطن كانت قد تبنت خلال المفاوضات السابقة في مجلس الأمن موقفاً متشدداً يقضي بإنهاء مهمة اليونيفيل فور انتهاء ولايتها آنذاك. لكن المفاوضات أفضت في النهاية إلى تسوية سمحت بفترة انتقالية إضافية، إلى جانب تكليف الأمانة العامة للأمم المتحدة بإعداد ترتيبات تتعلق بالمرحلة التالية.
ورأى أن هذه السابقة تظهر أن المواقف الأميركية الأولية، مهما بلغت درجة تشددها، ليست بالضرورة نهائية، وأن المجال يبقى مفتوحاً أمام حلول وسط. وأكد أنه لا يستطيع ضمان التوصل إلى تسوية جديدة، لكنه يعتبر أن المحاولة تستحق الجهد، خصوصاً إذا قدم لبنان موقفاً موحداً ومقنعاً يشرح المخاطر الأمنية والسياسية المترتبة على غياب الأمم المتحدة. وكشف المصدر أن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى أبدى اهتماماً بالمناقشات المتعلقة بمستقبل اليونيفيل، وشارك في لقاءات مع أعضاء السلك الدبلوماسي، كما حضر عشاء جمع ممثلين دبلوماسيين فرنسيين وبريطانيين. وأوضح أن السفير الأميركي استمع باهتمام وطرح أسئلة وصفها بأنها وجيهة، رغم أن موقفه المعروف يقوم على ضرورة أن يتولى اللبنانيون والإسرائيليون معالجة خلافاتهم بصورة مباشرة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.
نبض