ملامح ترتيبات جديدة أوروبية وفرنسية- إيطالية للبنان
تتبلور في باريس وبروكسيل ملامح ترتيبات أمنية جديدة للبنان مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" في 31 كانون الأول المقبل.
وتكشف تصريحات الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية عن مسارين متوازيين: مهمة أوروبية لتعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، ومبادرة فرنسية–إيطالية تبحث تشكيل ائتلاف من الدول القادرة على إبقاء قوات عسكرية على الأرض اللبنانية.
لكن المبادرتين، على الرغم من تكاملهما في إطار السعي إلى منع الفراغ الأمني، تختلفان في طبيعة المهام والأهداف، ولا تشكل أي منهما، بصيغتها المعلنة، بديلاً مباشراً من "اليونيفيل".
مهمة أوروبية لثلاث سنوات
فقد أكد الناطق الفرنسي أن المهمة الأوروبية الجديدة ستستمر ثلاث سنوات على الأقل، وستقوم على ركيزتين، عسكرية ومدنية. ويشمل الشق العسكري دعم الجيش اللبناني وتطوير قدراته، ولا سيما في تأمين الحدود البرية والبحرية، فيما يهدف الشق المدني إلى مساعدة قوى الأمن الداخلي وتخفيف الأعباء عنها، بما يسمح لها بالتركيز على مهامها الأساسية.
ومن المقرر أن تُخصص الأسابيع المقبلة للتخطيط التنفيذي وتحديد الدول المساهمة والقدرات المتاحة، تمهيداً لبدء تنفيذ المهمة مطلع عام 2027.
ولم تُحسم بعد هوية الدول الأوروبية المشاركة، ما يعني أن المهمة لا تزال في مرحلة استكمال التحضيرات العملية، على الرغم من الترحيب الفرنسي بالتقدم المحرز على المستوى الأوروبي.
والأهم أن هذه المهمة تندرج في إطار تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية اللبنانية، ولا تتضمن، وفق التوضيحات الفرنسية، انتشار قوة لحفظ السلام أو تفويضاً مباشراً بنزع سلاح حزب الله أو فرض انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
في المقابل، أكد الناطق الفرنسي أن المبادرة الفرنسية–الإيطالية لا تزال قائمة، موضحاً أنها تختلف عن المهمة الأوروبية.
وكانت باريس قد طرحت، خلال الندوة الفرنسية –الإيطالية في حزيران الماضي، فكرة تشكيل ائتلاف من الدول القادرة على نشر قوات عسكرية في لبنان بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل". وأشار الناطق إلى أن فرنسا، التي تشارك بنحو 700 جندي في القوة الدولية، قدمت هذا الاقتراح انطلاقاً من ضرورة منع حدوث فراغ أمني في الجنوب.
لكن المبادرة لا تزال بحاجة إلى مزيد من المشاورات، ولم تتضح بعد تركيبة الائتلاف المحتمل أو حجم قواته أو طبيعة تفويضه وقواعد عمله. كما أن التصريحات الفرنسية لم تؤكد أن هذه القوة ستُكلّف مباشرة بنزع سلاح حزب الله أو فرض الانسحاب الإسرائيلي.
ومن هنا، تبرز أهمية المناقشات المرتقبة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، التي تتوقع باريس تسارعها خلال الأسابيع المقبلة، لتحديد الإطار السياسي والقانوني لأي ترتيبات جديدة.

حصرية السلاح والانسحاب الإسرائيلي
تكمن المعضلة الأساسية في أن تعزيز قدرات الجيش اللبناني لا يكفي لضمان الاستقرار، ما لم يترافق مع تطبيق القرار 1701، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.
وتدرك باريس أن مرحلة ما بعد "اليونيفيل؛ لا تتعلق فقط بتأمين التدريب والمساعدات للجيش، بل تتطلب معالجة التحديات السياسية والأمنية التي تحول دون تثبيت سلطة الدولة في الجنوب.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى المبادرتين باعتبارهما جزءاً من تصور أوسع: مهمة أوروبية لبناء القدرات المؤسسية، ومبادرة فرنسية –إيطالية لاستكشاف إمكان استمرار حضور عسكري دولي على الأرض. لكن التكامل بينهما يبقى رهناً بالتفاهم على الصلاحيات والتفويض والمهام، وبمدى استعداد الدول المعنية لتحمل مسؤوليات ميدانية.
من سيضمن أمن الجنوب؟
تعكس التحركات الفرنسية محاولة استباقية لمنع انتقال جنوب لبنان إلى فراغ أمني بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". غير أن الفارق كبير بين بعثة تقدم التدريب والمساعدة التقنية وقوة تنتشر ميدانياً في منطقة نزاع.
كما أن أي ائتلاف عسكري جديد سيواجه أسئلة أساسية تتعلق بشرعيته الدولية، وعلاقته بالجيش اللبناني، وحرية حركته، وقدرته على التعامل مع الانتهاكات والتوترات على الحدود.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمبادرتين لن يكون في الإعلان عنهما، بل في قدرتهما على إنتاج ترتيبات قابلة للتنفيذ، تحول دون تجدد المواجهات وتساعد الدولة اللبنانية على بسط سلطتها.
فالسؤال لم يعد فقط من سيحل محل "اليونيفيل"، بل ما إذا كانت أوروبا مستعدة للانتقال من دعم الجيش اللبناني إلى المساهمة الفعلية في ضمان أمن الجنوب. ومن دون معالجة متوازنة لمسألتي حصرية السلاح والانسحاب الإسرائيلي، قد تنجح أوروبا في تعزيز قدرات المؤسسات اللبنانية، من دون أن تتمكن وحدها من توفير الاستقرار المنشود .
نبض