في الزمن الأسود... القرش الأبيض ضائع بين الإيجار والدَّين والطعام

لبنان 02-10-2026 | 15:15

في الزمن الأسود... القرش الأبيض ضائع بين الإيجار والدَّين والطعام

قليلون لا يزالون قادرين فعلاً على أن يخبّئوا "قرشهم الأبيض ليومهم الأسود"، بعدما باتت الأيام نفسها مثقلة بالغلاء، والفقر، وتراكم الديون، وانعدام الأمان، وآثار الأزمات التي لم تنتهِ.
في الزمن الأسود... القرش الأبيض ضائع بين الإيجار والدَّين والطعام
تعاني نحو 200 ألف عائلة في لبنان من فقر مدقع (أ ف ب)
Smaller Bigger

في أحد أزقّة بيروت العتيقة، وفي الطبقات العليا من مبنى قديم، تعيش عائلة من خمسة أفراد في منزل بالكاد يتّسع لهم. غرفة واحدة ومطبخ وحمّام، وسقف يتسرّب منه الماء حين يهطل المطر.

 

 

هنا، لا تضيق المساحة وحدها، بل تضيق معها الحياة. حياةُ ألين، وهي أمّ لثلاثة أولاد، لم يتمكن أيّ منهم من متابعة تعليمه. وأكثر ما يؤلمها ليس ضيق المنزل ولا تراكم الديون، بل خوفها من أن يكبر أولادها من دون أن يعرفوا القراءة والكتابة، فيصبحوا فريسةً للاستغلال في مجتمع لا يرحم.

 

كيف حُرموا حقّ العلم؟

لم يكن العوز وحده واقفاً في طريق حلم الأطفال ومستقبلهم. فخلف باب المنزل، كانت هناك حكاية أخرى: نزاعات عائلية متكرّرة، وأبٌ يعاني إدمان الكحول، ما يجعل استقرار العائلة أمراً صعباً ويزرع الخوف في نفوس الأطفال.

العام الماضي، حاولت ألين أن تعيد ولديها الصغيرين إلى مقاعد الدراسة، فأدخلتهما مدرسة رسمية قريبة من المنزل. لم يمضِ أكثر من شهرين حتى بدأ الخوف يتغلّب على رغبتهما في التعلّم. هو الخوفُ من ترك والدتهما وحدها، خصوصاً مع المشاكل التي كانت تعيشها الأسرة وتدهور وضع الأمّ الصحي. فهي تعاني نقصاً حاداً في الحديد، وتتعرّض أحياناً لحالات إغماء، بالإضافة إلى مشاكل في رئتيها.

في نظر الطفلين، لم تعد المدرسة مجرد مكان للتعلّم، بل أصبحت تعني الابتعاد عن أمّ يخشيان أن تحتاج إليهما. أمّا الابنة الكبرى البالغة 14 عاماً، فقد ابتعدت عن المدرسة منذ سنوات، وتحلم اليوم بأن تعمل في مجال التجميل.

في حين تتحدث ألين عن حلمها بتعليم ولديها الصغيرين، وكأنها تحاول أن تعوّضهما سنوات ضاعت من عمر شقيقتهما الكبرى، تلتمع في عيني ابنتها الصغرى أمنية أخرى: العودة إلى المدرسة، والجلوس بين صديقاتها واللعب معهن. أما شقيقها، فيجد في الألعاب الإلكترونية عالماً آخر ينظر إليه من خلف الشاشة.

في المنزل، لا تأتي الأزمة من جهة واحدة. الزوج يعمل في إصلاح الدراجات النارية، لكن إدمانه الكحول يجعله ينقطع عن العمل لأيام. وأعلى مدخول استطاعت العائلة توفيره كان نحو 600 دولار في الشهر، وهو مبلغ لا يبقى منه الكثير بعد الإيجار والديون والمصاريف اليومية.

العائلة تعيش على ما تيسّر من الكهرباء من دون اشتراك في مولّد خاص، وتحاول تدبير ثمن المياه والطعام والحاجات الأساسية، فيما يذهب جزء كبير من أيّ مبلغ يدخل المنزل لسداد ديون متراكمة لـ"الخضرجي" و"الدكنجي".

حتى المساعدة العائلية محدودة، فأشقاء ألين يعيشون بدورهم في منازل مستأجرة ولديهم أطفال ومسؤوليات تغنيهم عن أعياء أخرى. لذلك تتمسك بما تبقّى لها من إيمان بالله والعذراء ومار شربل، وتتسلح بأملها بأن تجد طريقاً يعيد أولادها إلى التعليم.

 

200 ألف عائلة فقيرة

قصة ألين ليست معزولة عن واقع أوسع في لبنان. فبحسب أرقام وزارة الشؤون الاجتماعية التي حصلت عليها "النهار"، تعاني نحو 200 ألف عائلة في لبنان فقرا مدقعا، فيما تساعد الوزارة نحو 150 ألف عائلة.

وتكشف أحدث تقييمات اليونيسف حجم الأزمة: أربع من كل خمس أسر تواجه صعوبة في تحمّل كلفة الحاجات الأساسية. وأفادت 22 في المئة من الأسر بأن أطفالها ذهبوا إلى النوم جائعين، فيما لم يحصل 31 في المئة من الأطفال على الرعاية الصحية التي احتاجوا إليها بسبب الكلفة. وقال 14 في المئة من الأسر إن لديها طفلاً واحداً على الأقل منخرطاً في سوق العمل.

في لبنان، لا يحتاج المرء إلى أكثر من قصة ليرى كيف أصبح توفير أبسط مقومات الحياة معركة يومية وعبئاً لا تحتمله الكثير من العائلات. وقليلون لا يزالون قادرين فعلاً على أن يخبّئوا "قرشهم الأبيض ليومهم الأسود"، بعدما باتت الأيام نفسها مثقلة بالغلاء، والفقر، وتراكم الديون، وانعدام الأمان، وآثار الأزمات التي لم تنتهِ.

 

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 9/29/2026 1:06:00 PM
لم تقتصر المقاطع المنتشرة على إعادة تركيب مشاهد قديمة، بل ذهبت إلى حد وضع شخصيات "باب الحارة" في مواقف معاصرة.
فن ومشاهير 9/28/2026 7:03:00 PM
الصورة، بتفاصيلها العفوية، قدّمت جانباً مختلفاً من حياة الأمير الحسين والأميرة رجوة.