أيّ مشهد في لبنان بعد عامين على اغتيال السيد حسن نصرالله؟
يقرّ مريدو الأمين العام العام السابق لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، وكارهوه على حد سواء، بأنه منذ صعوده بعد حدث تحرير الجنوب في أيار 2000، إلى حين رحيله قبل عامين، تمكن من "أسر" المشهد السياسي اللبناني، بعدما امتلك "حق النقض" على أيّ قرار أو توجه عام للحكم والسلطة.
والسؤال الذي كان يطرح قبل اتخاذ أي قرار عام هو: هل ينال موافقة السيد أو موافقة حارة حريك؟ وعلى أساس الإجابة تنطلق عملية التقييم العام لهذا التوجه ويتقرر المضي به أو العزوف عنه أو إدخال التعديلات عليه.
لكن هذه الميزة أصابها الكثير من الاهتزاز والتشوش، وصار نصرالله حالة إشكالية، بعدما تحول إلى طرف يغضب سلوكه فئة معينة، وتنقاد له فئة أخرى.
تداعيات الانقسام
لا خلاف على أن هذا التحول حدث في أعقاب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في شباط 2005، إذ كان خروج نصرالله المفاجئ خطيبا أمام تظاهرة 8 آذار من العام نفسه في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت، قد كرس انقساما عموديا في الساحة اللبنانية، ما زالت تداعياته تتوالى إلى اليوم، وانتهت معه صورة السيد "فوق الشبهات" بوصفه "بطل التحرير" من الاحتلال.
وفق تفسير المحيطين بالسيد، فقد كان مضطرا إلى الوقوف في هذا الموقف وركوب المركب الخشن، إذ إن طبيعة التحولات التي فرضها اغتيال الحريري أملت عليه أن يؤكد حضوره، وموقفه هذا ما كان إلا دفاعيا، لأن العاصفة كبيرة وتريد أن تقتلع كل ما له علاقة بالمرحلة السابقة.
ولاحقا أيضا، كان على نصرالله أن يدفع من رصيده السابق، عندما شاء أن يستثمر "نصر" عام 2000 ويتحول إلى قوة إقليمية، وهو ما وصفه خصوم الحزب بأنه "فائض القوة" الذي يتعين عليه أن يصرفه في مكان ما، مما يجعله طرفا في الصراعات الإقليمية التي بدأت تندلع تباعا.
وعليه، كانت حرب 2006، ثم انفجار التناقضات الداخلية بين نهجي 8 و14 آذار التي انتهت بأحداث 8 أيار 2008، وبعدها بأعوام قليلة دخول المعترك السوري دعما لنظام بشار الأسد، وما بينها جميعها دعمه للحوثيين في اليمن.
والحال أن دخوله على خط هذه التطورات وانخراطه فيها تحت شعار "سنكون حيث يتعين أن نكون"، جعله بلا ريب لاعبا إقليميا، لكنه وسّع دائرة الأعداء وحوّله في نظر فئة عربية واسعة إلى واحد من الأذرع الإيرانية الضاربة في المنطقة.
الرياح تخالف التمنيات
وثمة قراءة تذكر أن نصرالله عزّ عليه أن يخسر "صورة المقاوم المحرر" في "المغامرات" التي كان عليه أن يخوضها في الداخل وفي ساحات خارجية، فوجد في حرب إسناد غزة فرصته الضائعة لاستعادة ما فقده ولتعويض ما خسره من قيمة معنوية في العالم العربي.
لكن رياح التطورات الميدانية سارت خلاف تمنياته، خصوصا أن الإسرائيلي لم يقبل بقواعد اللعبة العسكرية للحزب، وهي المناوشات الحدودية المضبوطة، فكان أن خسر حياته وأكثر من نصف القوة العسكرية لحزبه.
وفوق هذا وذاك خسر قوة الردع في مواجهة الإسرائيلي. وثمة خسارة داخلية أكبر تمثلت في فقدان الحزب مكانته في معادلة الداخل.
وعليه، استغل خصومه هذا الوضع، فنظموا هجوما مضادا عنوانه العريض "التخلص" من سطوته، فكان أبرز قرار اتخذته السلطة الجديدة هو سحب أيّ غطاء شرعي لسلاحه وتحويله إلى سلاح غير قانوني يجوز مصادرته والقبض على حامليه بتهمة الخروج عن القانون.
بمعنى آخر، شاءت هذه السلطة ومن يقف وراءها أن يصفّوا في عجالة "تركة نصرالله" وإرثه السياسي والعسكري الذي ألقى بثقله على المشهد السياسي لنحو ربع قرن.
ولشدة ما كان هؤلاء مستعجلين لبلوغ الهدف، سرعان ما طرحوا أفكارا تحرض على تفكيك شبكة تمويل الحزب ومنظومته التربوية والتعبوية التي تشكل جسر علاقته ببيئته. كل ذلك إنفاذا لسياسة "اجتثاث" الحزب اعتمادا على فرضية أنه بات خائر القوى ولم يعد في مقدوره تشكيل حالة اعتراضية.
ومن البديهي أن الصراع الداخلي منذ عامين هو بين من يدعون إلى "التحرر" من إرث الحزب وإطلاق مشهد سياسي متحلل من ثقله بعدما فقد قائده وحصانته، ومن يواجهون ويمانعون.
هكذا فتح غياب نصرالله عن المشهد اللبناني الساحة أمام مزيد من عناصر الصراع والتصادم.
نبض