من "اليونيفيل" إلى الجيش: انتقال السيادة يبدأ من الجنوب

لبنان 20-09-2026 | 19:00

من "اليونيفيل" إلى الجيش: انتقال السيادة يبدأ من الجنوب

بعد الاجتماع التحضيري في باريس بات المبدأ الذي يفترض أن يحكم المرحلة المقبلة واضحاً: الجيش اللبناني يجب أن يصبح القوة الأمنية والعسكرية الشرعية الوحيدة المنتشرة في الجنوب...
من "اليونيفيل" إلى الجيش: انتقال السيادة يبدأ من الجنوب
قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان (أرشيفية).
Smaller Bigger

مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل" في نهاية عام 2026،  وخارطة الطريق الذي حددها الاجتماع التحضيري لدعم الجيش، وافتتاح أعمال الجمعية العمومية للأمم  المتحدة في نيويورك، يواجه الجنوب اللبناني استحقاقاً يتجاوز مسألة انسحاب قوة دولية استمرت مهمتها عقوداً. فالسؤال الحقيقي هو ما إذا كان لبنان قادراً على تحويل هذا الانسحاب إلى فرصة لاستعادة الدولة مسؤولياتها الأمنية والعسكرية، أم أن غياب الترتيبات السياسية والميدانية الواضحة سيؤدي إلى فراغ جديد يعيد الجنوب إلى دائرة التوتر؟ وبينما يتجه المجتمع الدولي إلى دعم الجيش اللبناني بصفته المؤسسة الشرعية القادرة على تولي هذه المسؤولية، يبقى نجاح الانتقال مرتبطاً بشروط متكاملة: تعزيز قدرات الجيش، تأمين التمويل المستدام، ضمان الانسحاب الإسرائيلي المتزامن، وإنشاء آلية دولية انتقالية للمراقبة والدعم. فالمطلوب ليس استبدال "اليونيفيل" بقوة أجنبية أخرى، بل بناء قدرة لبنانية فعلية تجعل الدولة صاحبة القرار الأمني والعسكري الوحيد على أراضيها.

 

بعد الاجتماع التحضيري في باريس بات المبدأ الذي يفترض أن يحكم المرحلة المقبلة واضحاً: الجيش اللبناني يجب أن يصبح القوة الأمنية والعسكرية الشرعية الوحيدة المنتشرة في الجنوب، فيما يتحول الدعم الدولي من انتشار عسكري مباشر إلى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وقدرات جيشها. لكن تحقيق هذا الهدف لا يمكن اختصاره بقرار إداري بإنهاء مهمة "اليونيفيل"، بل يحتاج إلى انتقالٍ تدريجي ومدروس يمنع أي فراغ أمني.

 

الشرط الأول هو ألا يتزامن انسحاب "اليونيفيل" مع غياب الجيش. فلا ينبغي أن تغادر الوحدات الدولية منطقة قبل التأكد من قدرة الوحدات اللبنانية على تولي مسؤولياتها فيها. ولذلك يجب أن يرتبط الانسحاب بمراحل انتشار الجيش وقدرته الفعلية على تنفيذ مهماته، وليس بجدول زمني منفصل عن التطورات الميدانية.

 

ويفترض ذلك البدء، قبل انتهاء الولاية، بتحديد المناطق التي سيتولى الجيش مسؤوليتها، وعدد الوحدات المطلوبة، وحاجاتها اللوجستية والتقنية، وآليات القيادة والتنسيق. فالانتقال الناجح يبدأ قبل الانسحاب وليس بعده.

 

قوات
قوات

 

الشرط الثاني هو رفع قدرات الجيش اللبناني قبل تحميله المسؤوليات الجديدة. فالجيش يحتاج إلى وسائل مراقبة واستطلاع، واتصالات متطورة، وقدرات هندسية ولوجستية، ووسائل نقل، واستخبارات، وقدرة على الانتشار السريع ومراقبة "الخط الأزرق". وبالتالي، فإن الدعم الدولي المطلوب يجب ألا يكون مساعدات ظرفية، بل برنامج متعدد السنوات للتدريب والتجهيز والصيانة والتمويل.

 

أما الشرط الثالث، فيتعلق بآلية دولية انتقالية. المطلوب ليس إنشاء "يونيفيل" جديدة، وإنما تشكيل إطارٍ محدود يضم الدول الرئيسية الداعمة للبنان، تكون مهمته تنسيق المساعدات، وتبادل المعلومات، ومراقبة تنفيذ الترتيبات، والمساعدة في معالجة الخلافات.

 

وهنا يجب الفصل بين المراقبة والتنفيذ: الجيش اللبناني هو الذي ينفذ المهمة الأمنية على الأرض، بينما تتولى الآلية الدولية التحقق من احترام التفاهمات ومساندته عند الحاجة. وبذلك لا تتحول الآلية الجديدة إلى بديل من الدولة اللبنانية.

 

لكن العقدة الأكثر حساسية تبقى الانسحاب الإسرائيلي. فمن الصعب أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولياته كاملة في الجنوب في ظل بقاء قوات إسرائيلية في مواقع داخل الأراضي اللبنانية أو استمرار العمليات العسكرية عبر "الخط الأزرق". وفي المقابل، ستحتاج إسرائيل إلى ضمانات بأن المناطق التي تنسحب منها لن تتحول إلى فراغ أمني.

 

لذلك، ينبغي أن يسير الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني بالتوازي. فكل منطقة تنسحب منها القوات الإسرائيلية يجب أن تدخل إليها القوات اللبنانية مباشرة، مع وجود آلية دولية للتحقق من تنفيذ الترتيبات. هذه المعادلة تمنع الفراغ وتوفر ضمانات لجميع الأطراف.

 

ويبقى الشرط السياسي الأهم هو احتكار الدولة اللبنانية للسلاح والقوة العسكرية. فالجيش لا يستطيع أن يكون المسؤول الأمني الوحيد في الجنوب إذا بقيت قوة مسلحة مستقلة قادرة على العمل خارج مؤسسات الدولة. وبالتالي، فإن نجاح المرحلة الانتقالية لا يقاس فقط بعدد الجنود المنتشرين، بل بمدى قدرة الدولة على ممارسة سلطتها الأمنية والقانونية فعلياً.

 

ومن هنا، يمكن تصور الانتقال في ثلاث مراحل: تبدأ الأولى بتجهيز الجيش وتحديد حاجاته ومناطق انتشاره؛ ثم تتولى القوات اللبنانية مسؤوليات إضافية بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي وتقليص الوجود الدولي؛ وصولاً إلى المرحلة الثالثة، بحيث يكتمل انتشار الجيش وتصبح الآلية الدولية محدودة وموقتة للمراقبة والدعم.

 

إن نهاية "اليونيفيل" يمكن أن تكون بداية مرحلة جديدة في الجنوب، شرط ألا تتحول إلى مجرد انسحاب قوة دولية من دون بناء البديل. فالهدف ليس استبدال قوة دولية بأخرى، بل استخدام المرحلة الانتقالية لبناء قدرة الدولة اللبنانية.

 

والمعادلة الأكثر استقراراً تقوم على جيش لبناني أقوى، ودعم دولي مستدام، وآلية مراقبة انتقالية، وانسحاب إسرائيلي متزامن، وقرار لبناني واضح باحتكار الدولة للسلاح والقوة.

 

عندها فقط يمكن أن تتحول نهاية "اليونيفيل" من مصدر قلق إلى فرصة لإعادة تثبيت سلطة الدولة في الجنوب، بحيث يصبح الجيش اللبناني قادراً فعلياً على حماية المنطقة، وتصبح الدولة صاحبة القرار الوحيد في الأمن والحرب والسلم على أراضيها كاملة.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 9/19/2026 8:09:00 PM
تبرز كهرباء زحلة باعتبارها التجربة اللبنانية الأوضح في إدارة شبكة توزيع محددة، مع تولي المشغل مسؤوليات التشغيل والصيانة والجباية والاستثمار وتحسين الخدمة.
صحة وعلوم 9/19/2026 11:59:00 AM
مع تغيّر مفهوم السعادة، لم يعد الزواج الخيار الوحيد لبناء حياة مستقرّة ومرضية.