الخوف على الجيش اللبناني من المواجهة مع "حزب الله" أو مع إسرائيل؟
لا يقلل الحراك الكثيف الذي تشهده بيروت هذا الأسبوع، بين مشاركة رئيس الحكومة نواف سلام في الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة في نيويورك وانعقاد المؤتمر التحضيري لدعم الجيش في باريس بمشاركة رئيس الجمهورية، من وطأة استمرار التحدي الأساسي أمام الدولة، الكامن في تطبيق قرار حصر السلاح، والذي يفترض بالجيش أن يكون أداته التنفيذية.
والحال أن كل الحراك السياسي والديبلوماسي للدولة، بما فيه التفاوض المباشر مع إسرائيل، يرمي إلى تفادي تكليف الجيش المهمة والسعي إلى معالجة ملف السلاح عبر الأطر الديبلوماسية والضغوط الخارجية، في حين تقابل إسرائيل والولايات المتحدة تلكؤ لبنان الرسمي عن تنفيذ هذا الالتزام، بتعطيل جلسات التفاوض وتجميد أيّ مساعدات أو تمويل محتمل للجيش، وهو ما برز في ترحيل الجولة الثامنة إلى تشرين الأول المقبل، وحصر النقاش في مؤتمر باريس بالحاجات والوضع العام، من دون إدراج الموضوع المالي في جدول الأعمال. هذا المشهد أدى إلى انتقال النقاش من حصر دور الجيش في ملف سلاح "حزب الله" في الداخل اللبناني، إلى البحث في أداء الجيش نفسه كجزء أساسي من المعادلة التي ستحدد مصير التفاهمات اللبنانية - الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية.
اتهامات إسرائيلية للجيش اللبناني
في هذا السياق، يوجه الإعلام الإسرائيلي اتهامات للجيش بأنه يكتفي بإجراءات "شكلية" حيال الحزب، وسط تساؤلات في الأوساط اللبنانية عن الأسباب الكامنة وراء تخلف الدولة عن اتخاذ أيّ إجراء يبعث برسالة إلى الخارج حيال مدى الجدية في التعامل مع الاستحقاق. فالدولة التي أعلنت التزامها حصر السلاح، لمَ لا تقدم مثلاً بيروت نموذجاً لمدينة منزوعة السلاح؟ وما الذي يمنع الجيش من تطبيق القرار حيث يستطيع، قبل الحديث عن مناطق أكثر تعقيداً في الجنوب؟
المفارقة أن الجيش لا يقول إنه متراجع أو عاجز عن القيام بمهمته، بل يؤكد عبر كل البيانات الصادرة عن قيادته أنه مستمر في تنفيذ التزاماته، لكنه يربط قدرته على تثبيت الاستقرار باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي "تعرقل جهوده" وتهدد التفاهمات القائمة. أما إسرائيل فتتخذ من هذا الأمر ذريعة للاستمرار في اعتداءاتها، على قاعدة أن الحزب لم يتخلَّ عن سلاحه، وأن وجوده العسكري مستمر، والجيش عاجز عن القيام بمسؤولياته، ما يدفعها إلى تجريد الحزب من سلاحه تحت ذريعة ضمان أمن مستوطناتها. وهي، لهذه الغاية، تتهم الدولة اللبنانية بالتلكؤ وتطالبها ليس بمجرد إعادة انتشار لـ الجيش اللبناني كما يحصل راهناً، وإنما بأن تثبت قدرته الفعلية على تولي مسؤولية الأمن ومنع إعادة بناء البنية العسكرية للحزب.
لكن الجيش يتحرك ضمن حدود سياسية وأمنية دقيقة. فهو ليس منفصلاً عن القرار السياسي، بل يأتمر بأوامر السلطة، ويخشى أن تحمل أيّ مواجهة مباشرة مع الحزب في مناطق نفوذه، ولا سيما في ظل استمرار الحرب والاحتلال الإسرائيلي، مخاطر تفجير داخلي لا يقل خطورة عن المشكلة التي يُطلب منه حلها. لكن الواقع لا يقف عند هذه المخاطر، بل إن الخشية الفعلية تكمن في عدم رغبة السلطة السياسية في أيّ مواجهة مع الجيش الإسرائيلي في ظل انعدام توازن القوى، ما قد يعرض المؤسسة للإذلال في حال احتلال ثكنات أو احتجاز عناصر.
بين القدرة والإرادة
هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. فكلما تأخر التنفيذ، تحولت المشكلة من قدرة الجيش إلى إرادة الدولة. وإذا كان تطبيق حصر السلاح يبدأ من جنوب لبنان، فإن اختبار الجدية يبدأ أيضاً من بيروت، وهو ما لم تبادر الدولة بعد إلى القيام به، علماً أن نتنياهو عبّر أخيراً عن موقف مقلق عندما قال إن الطريق إلى بيروت باتت سالكة!
فهل تستطيع الدولة أن تترجم التزامها أن السلاح خارج المؤسسات العسكرية والأمنية ممنوع في العاصمة كما في الجنوب؟ الوقت الذي تراهن عليه الدولة، يبدو لمصلحة إسرائيل، يا للأسف. فالمفاوضات رُحلت إلى تشرين الأول، وسط تعثر في تنفيذ التفاهمات. وكلما اتسعت الفجوة بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني، بقيت إسرائيل تملك ذريعة للاستمرار، وبقي الجيش في موقع الدفاع عن نفسه أمام الداخل والخارج، وبقي الدعم الدولي مشروطاً بنزع السلاح!
نبض