في لبنان... الخطاب السياسي يتنافس على الغضب

لبنان 18-09-2026 | 14:02

في لبنان... الخطاب السياسي يتنافس على الغضب

لم يعد اللبناني بحاجة إلى من يشعر بغضبه بقدر ما هو متعطّش إلى من يخفّف أسبابه. والمطلوب ليس من "يصبّ الزيت على النار"، بل من يملك القدرة على إطفائها.
في لبنان... الخطاب السياسي يتنافس على الغضب
لبنان بين الدول الأعلى عالمياً في مستويات الغضب اليومي (النهار)
Smaller Bigger
من يستمع إلى خطابات السياسيين في لبنان، قد يظنّهم يتنافسون على "الغضب"، وعلى من يرفع سقف الانفعال أكثر.

 

من "اتّقوا غضب الحليم إذا غضب" التي قالها النائب حسين الحاج حسن، إلى "غضبنا من حزب الله كبير" التي أطلقها رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، لم يعد "الغضب" مجرّد شعور طبيعي مشحون في الخطاب السياسي اللبناني، بقدر ما أصبح أداة لتجييش الناس واستقطاب الجمهور.

 

وفي الحقيقة، هذا الخطاب ليس حكراً على "التيار" ولا على "حزب الله"، وليس ظاهرة لبنانية بحتة. لكنه يكتسب دلالة خاصة في لبنان، خصوصاً في حالة "حزب الله"، الذي يلجأ إلى نبرة الغضب في واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية، وفي وقت تتعرّض فيه بيئته لضغوط كبيرة.

 

وفي السياسة، لا يكون الغضب دائماً انفعالاً خرج عن السيطرة. أحياناً يكون هو نفسه الرسالة. فالسياسي حين يغضب أمام جمهوره يقول ضمناً: "أنا أشعر بما تشعرون به، أعرف من يجب أن نغضب منه، وأنا ما زلت قادراً على الرد".

 

الغضب يعدي

لكن لماذا تجد هذه اللغة جمهوراً لها في لبنان تحديداً؟ هنا تدخل النفس الجماعية إلى السياسة. لبنان ليس مجتمعاً يتلقى الغضب السياسي من موقع المتفرّج، بل يعيش أصلاً على تراكم الأزمات والخوف والخسارات والإحباط.

 

في هذا السياق، تشير هانيا كنيعو، الاختصاصية في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي لـ"النهار"، إلى أن السياسي يمكن أن يستفيد من هذا المزاج عبر ما يُعرف بـ"العدوى العاطفية"، أي ميل الأفراد إلى امتصاص المشاعر السائدة من حولهم، خصوصاً حين تُعرض بشكل مكثّف وصريح. وتضيف: "حين يظهر السياسي غاضباً، ينتقل هذا الشعور إلى المتلقي ويمنحه إحساساً بأن معاناته مرئيّة ومسموعة".

 

وقد صنّفت تقارير "غالوب" العالمية للمشاعر لبنان مراراً بين الدول الأعلى عالمياً في مستويات الغضب اليومي، حيث أفاد قرابة نصف اللبنانيين في استطلاعات سابقة بأنهم اختبروا الغضب في اليوم السابق للاستطلاع، أي إن السياسي، حين يرفع صوته، لا يزرع بالضرورة شعوراً جديداً، بل يدخل إلى مزاج موجود أصلاً ويمنحه اسماً ووجهاً وخصماً.

 

السياسة تستثمر في الغضب

لكن كنيعو تميّز بين غضب "تضامني"، يقول فيه السياسي: "أنا أغضب لأن ما تعيشونه ظلم"، وغضب "تحويلي" يوجّه غضب الناس نحو طرف خارجي أو خصم محدّد، بما قد يحوّل الانتباه عن مسؤولية المتحدث نفسه. وتقول إن بعض السياسيين يستخدمون "الشعبوية" أداةً للانطلاق من المشاعر للوصول إلى مصالح سياسية، وقد يصبح الخطاب في هذه الحالة وسيلة للتهرّب من المسؤولية.

 

وتضع كنيعو خطاب "حزب الله" و"التيار" في هذا السياق، معتبرةً أن الطرفين استخدما مراراً لغة الغضب والتخويف للحفاظ على التأييد وتقديم نفسيهما بوصفهما الجهة التي تفهم الناس وتحميهم. وفي حالة "حزب الله"، ترى أن النبرة الغاضبة تزداد حضوراً في ظل الضغوط التي يعيشها الجنوبيون، فتمنحهم إحساساً بأن الحزب يشعر بألمهم، بينما يُوجَّه الغضب إلى جهة أخرى.

 

إلا أن الخطر يكمن حين يصبح الغضب لغة سياسية دائمة، إذ تحذّر كنيعو من أن "التعرّض المتكرر لخطاب انفعالي غير مصحوب بحلول فعلية لا يُنتج غضباً فقط، بل يُنتج مع الوقت لامبالاة سياسية، لأن الثقة بجدوى المشاركة تتآكل حين يبقى الغضب بلا أثر ملموس على الواقع".

 

بدورها، ترى الاختصاصية في علم النفس ماري-أنج نهرا أن الغضب شعور إنساني طبيعي، والمشكلة ليست في وجوده بل في طريقة التعبير عنه. وفي بيئة لبنانية "معصّبة ومرهقة" بفعل سنوات من الصدمات، يمكن للخطابات التصعيدية أن تزيد القلق والخوف، فيما يحتاج المواطن، قبل أي شيء، إلى الشعور بالأمان والحماية. فعدم الطمأنينة، بحسب نهرا، يولّد مشاعر متناقضة لدى الناس، وقد يؤدي إلى ردود فعل غير متوازنة، تجعل أفراد المجتمع أقل قدرةً على التعاطي بعقلانية مع ما يحيط بهم.

 

في المحصّلة، لم يعد اللبناني بحاجة إلى من يشعر بغضبه بقدر ما هو متعطّش إلى من يخفّف أسبابه. والمطلوب ليس من "يصبّ الزيت على النار"، بل من يملك القدرة على إطفائها.

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 9/17/2026 5:00:00 AM
تستمر المفاوضات المباشرة على مستويات عدة وعبر قنوات متعددة تعويضا لتوقف الجولات التفاوضية في روما لأسباب عدة، أهمها اقتراب الاستحقاقين الانتخابيين في إسرائيل والولايات المتحدة، وزحمة المواعيد الدولية من باريس إلى نيويورك
اقتصاد وأعمال 9/17/2026 10:30:00 AM
تستند وزارة المال إلى المادة 82 من قانون ضريبة الدخل المتعلقة بإيرادات رؤوس الأموال المنقولة الأجنبية.
اقتصاد وأعمال 9/18/2026 9:11:00 AM
ارتفاع إضافي بأسعار البنزين والمازوت اليوم... كم بلغت؟
لبنان 9/17/2026 8:11:00 PM
أقرّ مجلس الوزراء إدراج ستة رواتب إضافية للقطاع العام في موازنة 2027، إلى جانب تعيينات إدارية ومشروع استثماري في الشمال، وأرجأ بند البعثة الأوروبية.