من "رفاق السلاح" إلى الذاكرة: هذا "بشير" كما عرفناه
لم يعد السؤال عن الرئيس بشير الجميل، حول تجربته أو مسيرته السياسية و"المقاومة اللبنانية"!
إنما بات، خصوصاً في أعين رفاق الأمس، ذاكرةً وتجارب وعبر. هم الرفاق الذين رافقوه وعاشوا معه هذه المرحلة، والتي يصفها البعض بأنها "مرحلة عصيبة".
هي صورة بشير بين رجل عرفوه، وقائد أصبح رمزاً سياسياً، طبعت في قلوب هؤلاء الرفاق، بعدما صنعتها عقود ومراحل من الصمود، تماماً كما تحديات وصعوبات، وصولاً الى الاغتيال.
من فؤاد أبو ناضر، الى أسعد سعيد، جو إده، فادي أفرام وغيرهم. وغيرهم أيضاً كثر، أمثال جان بسمرجي، جورج فريحة، مسعود الأشقر الذين فارقوا الحياة وهم يستذكرون ذاك الصمود.
وهي مسافة تقطع 44 عاماً وتستحق أن تروى. فماذا يتذكر رفاق الأمس؟
أبو ناضر: ساعات عزل
أبو ناضر، القائد السابق لـ"القوات اللبنانية"، لديه الكثير ليرويه، لكنه أراد أن يتوقف عند الأعوام السبعة الأخيرة من حياته، منذ 1975 حتى 1982. ليختصرها بالقول: "عاش بشير ساعاتٍ صعبة جدا".
من حادثة الخطف عام 1970 الى بناء "القوى النظامية" أوائل السبعينات، كلها شريط واحد متماسك يمرّ أمام عيني أبو ناضر.
ليس الهدف إعادة كتابة سيرة بشير، بل الاقتراب من الرجل خلف الصورة.

المعركة المفصلية
و"الرفيق ابو ناضر" يستذكر كيف كان "بشير ومعه الرفاق يعيشون العزل في تلك الفترة"، يقولها صراحة: "كنا معزولين داخلياً، ونظرة الخارج الينا كانت تصنّفنا ميليشيا. كنا نواجه جيشاً سورياً نظامياً مدعوماً دولياً، حتى الفاتيكان لم يكن ينظر بايجابية الى بشير. ببساطة، عشنا ساعات عزل في وجه محافل فلسطينية – سورية".
لا يخفي الاحباط، والتساؤلات التي كان يطرحها كثر أمام بشير: "ماذا نفعل؟"، خصوصاً بعد تدمير بيروت، سقوط صنين، اغتيال ابنته مايا، وصولاً الى محاولة اغتيال والده بيار الجميل. كلها محطات لا يستذكرها الرفاق فحسب، ومنهم أبو ناضر، بل عاشوها، الى جانب بشير، بكل تفاصيلها وساعاتها الصعبة.
يتوقف أبو ناضر عند تاريخ 2 نيسان 1981 بدء معركة زحلة. كانت المرحلة المفصلية. يخبر: "إتهم بشير بالانجرار نحو المعركة، بدل الاعتراف بأننا نواجه الجيش النظامي السوري الذي يحاول كسرنا. كانت المعركة أكثر من قاسية. نقص في العديد، لا ذخيرة كافية ولا عتاد. وصمدنا. صحيح أن السوري انتصر في البدء بالجرد عبر الهليكوبتر، لكننا صمدنا، ومعنا الزحالنة. ثلاثة أسابيع مرّت صعبة، حتى27 نيسان 1981".
يذكر أبو ناضر التاريخ جيداً. "باتت "القوات اللبنانية" في صلب استراتيجية الشرق الاوسط. دخل بشير المعركة "رئيس عصابة" وخرج "رجل دولة". لقد قال لنا حرفياً: "صار في Projecteur عند نهاية النفق".
من كل ذلك، يستخلص عبرة واحدة: "إذا صمدنا نربح. اليوم، وبعد الأعوام الثلاثة الأخيرة والثقيلة على لبنان، ينبغي أن نصمد لنربح، لأن ثمة أملاً في آخر هذا النفق".
"إتكلّنا على حالنا"
وبعد، هل تغيّرت صورة بشير بعد 44 عاماً؟ هل أصبح أكثر حضوراً في الذاكرة؟
جو إده، قائد المغاوير في "القوات اللبنانية" سابقاً، يروي كيف أن "بشير خلق الظرف في الوقت المناسب، إن كان في الكتائب او في القوات. اكثر ما أذكره كيف كان يرّكز على معنويات الشباب والمبادىء. كانت القصة، ببساطتها وتعقيداتها، ترتكز على المعنويات أولاً".
في نظر رفاقه العسكريين، لم تكن لهجة بشير فوقية. يقول إده: "همّه الحقيقة. لم يكن فوقياً ولا أنانياً، والأهم أننا حاربنا مسيحياً لكن الهدف كان لبنانياً. هي الـ10452 كلم2 لم تكن مسيحية ولا إسلامية، بل لبنانية".
ويستدرك: "إتكلّنا على حالنا، حاربنا ببراءة، بلا مقابل. كان الثمن دماراً وشهداء، لكن الدفاع عن الوطن أعطانا ذاك الصمود".
ولعلّ أكثر ما هو معبرّ في حديث "رفاق الأمس"، ما كتبه جورج فريحة، في كتابه "مع بشير: ذكريات ومذكرات". يخبر عنه الكثير، خصوصاً حين كان يقول أمامهم: "هناك آمال كبيرة معقودة علينا لا يجوز أن نخيّبها". ينقل فريحة، الذي أصبح أحد أبرز مستشاريه، كيف كان بشير يتحدث عن وضع الدولة ومؤسساتها، باعتبار أن مهمته المقبلة هي "إعادة بناء الجمهورية"، مرّدداً: "لا أغطي أحداً. لا أحمي أحداً"....
فأي إسقاط هذا على واقعنا الحالي؟
نبض