حوض العاصي: عودة حذرة لبعض العائلات بقرارات سورية وغياب رسمي لبناني
تفتح حركة العودة المحدودة لبعض العائلات اللبنانية إلى قرى حوض العاصي داخل الأراضي السورية باباً على أحد أكثر الملفات الحدودية تعقيداً بين لبنان وسوريا، ملف تتشابك فيه الجغرافيا، والتغييرات السياسية والعسكرية الأخيرة، مع تعقيدات السلم الأهلي والملكية العقارية.
لتفكيك هذا المشهد، لا بد من العودة إلى طبيعة منطقة قرى حوض العاصي، المعروفة تاريخياً بالقرى اللبنانية داخل الأراضي السورية، مثل الفاضلية، والصفصافة، وزيتا، وحاويك، وبلوزة، ومطربة وغيرها.
تقطن هذه القرى عائلات لبنانية تحمل الجنسية اللبنانية وترتبط اجتماعياً وعائلياً ببلدات قضاء الهرمل، لكنها تقع جغرافياً ضمن السيادة الإدارية السورية لريف القصير في محافظة حمص.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، شهدت المنطقة مواجهات مسلحة تحول معها النفوذ الأمني والعسكري لمصلحة تشكيلات "حزب الله" والعشائر اللبنانية المقيمة هناك طوال السنوات الممتدة بين 2011 و2013 وما بعدها.
نقطة فارقة
شكّل سقوط النظام السوري السابق والتحولات العسكرية الأخيرة نقطة فارقة أدت إلى انكفاء القوّة العسكرية لـ"حزب الله" وتبدّل موازين القوى في ريف حمص والحدود.
فقد اندلعت الاشتباكات بين العشائر في منطقة الهرمل والقوات التابعة للإدارة السورية الجديدة على الحدود اللبنانية - السورية بداية شباط 2025، وتصاعدت حدتها بين 8 و10 شباط 2025، حيث استمرت المواجهات أياما على محاور حاويك ومطربة والقرى الحدودية وصولاً إلى جرود الهرمل.
وأسفرت المعارك عن خروج شامل وسريع للسكان اللبنانيين الشيعة من تلك القرى ونزوحهم في اتجاه الداخل اللبناني، وتحديداً بلدة الهرمل والبقاع الشمالي، تاركين خلفهم منازلهم ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة على ضفاف نهر العاصي.
وعلى الرغم من خطورة هذا الملف وتداخل أبعاده الإنسانية والأمنية، كشفت معطيات خاصة حصلت عليها "النهار" من مصدر أمني مسؤول عدم تسجيل أي تواصل أو حديث رسمي حتى الساعة بين الجانبين اللبناني والسوري في شأن وضع هذه القرى المصيرية أو آلية تنظيم عودة أهاليها. ويؤكد المصدر السوري لـ"النهار" أن هذا الغياب للاتصالات الرسمية يترك العائلات أمام مبادرات فردية ومحاولات تسوية غير مؤطرة بين الجانبين.

انتقام مذهبي؟
بناءً على ذلك، تمثّل العودة الحالية خطوة ميدانية جريئة ومحفوفة بالمخاطر لأولئك الأهالي، خصوصاً بعدما مضى أكثر من عام وثمانية أشهر على خروجهم القسري في أعقاب مواجهات شباط 2025. وتعبّر مصادر ميدانية متابعة لـ"النهار" عن مخاوف قاطعة لدى بعض الأهالي اللبنانيين النازحين من أن تتحول عودتهم إلى هدف لانتقام مذهبي أو تصفية حسابات طائفية تعيد نكء جراح الصراع المسلح السابق، بالرغم من كل التطمينات المكتوبة والشفوية، وفي غياب الرعاية الرسمية المتبادلة.
في مقابل ذلك، شهدت الأيام الأخيرة تحولاً إدارياً تمثّل في صدور توجيهات عن الرئيس السوري أحمد الشرع تقضي بتسهيل عودة السكان والأهالي إلى منازلهم وأراضيهم في حوض العاصي.
وتكتمل هذه التوجيهات بمحددات تشترط عدم تورط الراغبين في العودة في أعمال قتالية أو سفك دماء، وأن يكونوا غير منتمين إلى صفوف "حزب الله" أو التشكيلات المسلحة. وتتم عمليات التسليم والتحقق من الملكيات تحت إشراف مديرية منطقة القصير بالتنسيق مع مدير المنطقة حسن محب الدين.
ميدانياً، تترجح الحركة حالياً عبر معبر القاع - جوسيه الحدودي بين رغبة الأهالي في استعادة أملاكهم والمحاذير الأمنية.
وسجلت مصادر "النهار" خلال اليومين الأخيرين عودة ست عائلات لبنانية، تشمل أربع عائلات من آل الجمل وعائلتين من آل مدلج، إلى الفاضلية وحاويك، بعد تلقيها تسجيلات صوتية ورسائل تطمينية أرسلها سكان سوريون من المنطقة تؤكد إمكان العودة عبر مديرية القصير.
وتستعيد هذه الخطوة حالة سابقة شهدتها المنطقة قبل خمسة أشهر، عندما تسلّمت امرأة سورية (أم عيسى وريدان، زوجها لبناني) منزلها وأرضها رسمياً عبر المديرية نفسها.

وفي شهادة ميدانية لـ"النهار"، يعبّر أحد أبناء العائلات العائدة عبر معبر جوسية عن المشاعر المتناقضة التي ترافق هذه الخطوة بالقول: "نتوق إلى كسر حاجز الخوف، لكن العين تبقى شاخصة على الحقول والوجوه لتقصي ما إذا كانت التطمينات ستصمد على الأرض أو أن الحسابات القديمة ستقف لنا بالمرصاد عند أول عتبة".
وعلى الرغم من الإيجابية التي يحملها القرار، تفرز العقبات الميدانية والإدارية واقعاً معقداً. فقد نفّذ ثلاثة أشخاص من أبناء القرى جولة استطلاعية على متن دراجات نارية لمعاينة بيوتهم، إلا أن تسلم العقارات رسميا لا يزال يحتاج إلى استكمال الإجراءات الإدارية. وفي المقابل، تطفو الخروق والمخاوف الأمنية على السطح، كما حدث مع أحد أبناء آل الهق الذي وصل إلى بيته قبل أيام لكنه اضطر للعودة فوراً إلى الهرمل بعد تلقيه تهديدات من عناصر محلية.
يتزامن هذا الحراك الميداني المعقد مع اقتراب موسم قطاف الزيتون، وهو الشريان الحيوي والاقتصادي الأبرز لأهالي قرى حوض العاصي. ويشكل هذا الموسم السباق الحقيقي مع الوقت، إذ يراهن المزارعون اللبنانيون على إنهاء الروتين الإداري وتثبيت ضمانات العودة سريعاً للحاق بقطاف أشجارهم ومواسمهم التي طال انتظارها، خوفاً من ضياع محاصيل هذا العام وتلفها أو الاستيلاء عليها في حال استمرار المماطلة الإدارية.
يتضح من مجريات الأحداث أن ملف قرى حوض العاصي يتجاوز الأبعاد الإدارية ليلامس عمق التوازنات الاجتماعية والأمنية على الحدود.
ويصطدم نجاح مديرية القصير في ضبط آلية العودة التدريجية ببطء الإجراءات، وتراكم الحساسيات العشائرية والمحلية، وانعدام الاتصالات الأمنية والرسمية الثنائية بين بيروت ودمشق حول ملف الأهالي بحسب ما أكدته مصادر "النهار".
ويبقى الرهان على قدرة السلطات الرسمية على تثبيت السلم الأهلي، وحماية الملكيات الفردية للمزارعين اللبنانيين، وتبديد المخاوف من الانتقام المذهبي عبر تحييد الحقوق المدنية والعقارية والمواسم الزراعية عن التجاذبات السياسية والحزبية.
نبض