قرى في جنوب لبنان وصلت نسب دمارها إلى 100٪... هل يمكن إعادة رسم الجغرافيا فيها؟
كثيرة هي مشاهد الدمار الكلي والصور الملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية لقرى الجنوب اللبناني سيما الواقعة ضمن ما أسمته إسرائيل "الخط الأصفر" والتي لا تزال أعمال التفجير والتجريف فيها منذ أشهر ما زاد من أطنان الردم ومحى قرى كاملة وجعل خيال الناس، سيما سكان هذه القرى والمدن يذهب إلى إدراك أنه من المستحيل إعادة إعمارها كما كانت ولو بعد سنوات.

الأرقام المنشورة هذا السياق أيضاً مخيفة وتؤكد أن إسرائيل تعتمد محو القرى وتنفذ إبادة مكانية، قناة 12 الإسرائيلية تقصدت نشر تحقيق شمل 19 قرية نسبة الدمار فيها وصلت إلى 74٪، 10 منها تجاوزت نسبة دمارها الـ80٪، ومنها وصلت إلى أكثر من 95٪.
ليست المرة الأولى في التاريخ التي تمسح فيها مساحات جغرافية واسعة من مدن وقرى، لكن ماذا حل بها؟ وماذا تقول التجارب التاريخية حيال إعادة الإعمار وعودة السكان إليها وإعادة رسم الصورة الجغرافية نفسها للمكان؟
تجارب تاريخية
التاريخ الحديث يقدّم نماذج لمدن تعرّضت لدمار هائل، لكنها لم تختفِ من الخريطة. غير أن تجاربها تظهر أيضاً أن إعادة الإعمار تمتد من كونها فقط عملية هندسية لتصبح عملياً مسار طويل مرتبط بقدرة السكان على العودة، وبقرار سياسي وحل شامل ونهائي للنزاع وتمويل مستدام.
في وارسو البولندية على سبيل المثال، دمّرت القوات النازية خلال انتفاضة عام 1944 أكثر من 85 في المئة من مركز المدينة التاريخي. وبعد انتهاء الحرب، بدأت عملية إعادة إعمار قادتها الدولة، واستغرقت نحو خمس سنوات وأعيد بناء المدينة القديمة وكنائسها وقصورها وساحاتها بالاستناد إلى وثائق وصور تاريخية، وما حصل هو فعلاً استعادة لذاكرة المدينة.
أما هيروشيما اليابانية، فكانت التجربة أكثر قسوة. في 6 آب 1945، أسقطت الولايات المتحدة القنبلة الذرية الشهيرة على المدينة فتحولت أجزاء واسعة منها خلال لحظات إلى ركام بعدما كان عدد سكانها يقارب 420 ألفاً. ورغم الاعتقاد آنذاك بأن المدينة قد تبقى غير صالحة للحياة لعقود بدأت إعادة إعمارها تدريجياً وأُقر عام 1949 قانون خاص حوّل هيروشيما إلى "مدينة تذكارية للسلام"، ووفّر هذا التشريع إطاراً قانونياً لدعم إعادة بنائها.
تقديم هذه التجارب لا تعني أن الجنوب سيُعاد بناؤه بالطريقة نفسها، لكنها تقول إن حجم الدمار لا يحسم وحده مصير المدن والقرى إنما السياق السياسي ومعرفة استثمار اللحظة والفرصة في المرحلة المقبلة قد يفضي في نهاية المطاف ربما إلى استعادة القرى وبنائها.
في السياق نفسه، يشير الأكاديمي والمحاضر في التاريخ في الجامعة اللبنانية عماد مراد إلى أنه "في الحربين العالميتين حصل مسح لعدة مناطق وهذا موثق بالصور، لكن فيما يخص الجنوب يجب أن نسأل ماذا بعد الدمار؟ ثلاث جهات بيدهم القرار في هذا الشأن إسرائيل، الدولة اللبنانية وحزب الله."
ووفق مراد "ما يحصل في الجنوب يشي بأنه ثمة مشروع لسيطرة طويلة الأمد ولا إعمار بشرط تسليم سلاح وتوقيع اتفاقية سلام."
يبقى الخوف والهاجس من عدم التمكن من إعادة الإعمار وإعادة تشكيل الأمكنة بالصورة التي كانت فيها مشروع في هذه الفترة تحديداً سيما أن الحديث عن "منطقة اقتصادية" وما شابه بغطاء دولي لايزال مطروح، فضلاً عن جدية إسرائيل في السيطرة على هذه المناطق ضمن "حزام أمني دائم".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
طقس نهاية الأسبوع في لبنان: ماطر بغزارة مع برق ورعد واحتمال تساقط حبات من البرد وتشكّل السيول
نبض