50 سنة من أطباء بلا حدود في لبنان: العمل مستمر
عندما وصلت منظمة أطباء بلا حدود إلى بيروت لأول مرة في عام 1976، كانت القنابل تمطر المدينة التي تحولت إلى ساحة من ساحات الحرب الأهلية اللبنانية. عالجت فرقنا المرضى المصابين في القتال، وتراوحت الإصابات بين جروح بالشظايا والرصاص، إلى أجساد غزتها الحروق والكسور في الأطراف. كانت هذه أول استجابة طارئة تطلقها أطباء بلا حدود في منطقة نزاع مسلّح منذ تأسيسها في عام 1971.
وبعد خمسين سنة، لا زالت فرقنا تستجيب لمختلف الأزمات التي حلت على لبنان وأهله.
منذ تصعيد الحرب الإسرائيلية على لبنان في الثاني من مارس/آذار 2026، أطلقنا استجابة طارئة على مستوى البلاد، مع تزايد الاحتياجات الصحية في ظل التهجير القسري المستمر وتداعيات القصف الإسرائيلي، لا سيما في جنوب لبنان. تدعم فرقنا النازحين ونظام الرعاية الصحية من خلال الوحدات الطبية المتنقلة، والتبرعات بالإمدادات والوقود، ودعم المستشفيات التي تستقبل الجرحى.
من الحرب الأهلية إلى حرب 2006
بدأ عمل أطباء بلا حدود في لبنان بتقديم الرعاية الطارئة في خضمّ حرب أهلية مستعرة، عندما كانت المنظمة لا تزال تبحث عن موطئ قدمها وتخطط لكيفية استجابتها للأزمات في العقود التالية. وبعد انتهاء الحرب الأهلية، دعمت فرقنا مستوصف بئر حسن في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث قدمت الرعاية الطبية واستشارات ما قبل الولادة للفلسطينيين واللبنانيين والسكان النازحين من جراء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. كذلك دعم فريقنا الرعاية الجراحية لمصابي الحرب في الجنوب.
عمل فريقنا لاحقًا في عكار، بالقرب من الحدود السورية، وفي جزّين جنوب لبنان، حيث دعمت أطباء بلا حدود الخدمات الطبية الطارئة خلال الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.
في عام 2006، وقع المدنيون مجددًا في براثن حرب إسرائيلية، حيث تسببت الأضرار في الطرق والحصار الجوي والبحري بانقطاع الوصول إلى الاحتياجات الأساسية. ونظرًا لقلة سبل الوصول إلى البلاد، لجأت أطباء بلا حدود إلى البحر، حيث أمّنت ممرًا آمنًا، وتعاونت مع منظمة غرينبيس لنقل 75 طنًا من الإمدادات من قبرص إلى بيروت.
رعاية لم تنقطع عند انتهاء الحروب
في عام 2008، افتتحت أطباء بلا حدود مركزًا للصحة النفسية في برج البراجنة، بالقرب من أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، وبهذا كانت بداية الوجود المستمر للمنظمة في لبنان. قدّم المركز الرعاية النفسية والنفسية الطبية، وساهم في دمج خدمات الصحة النفسية ضمن الخدمات القائمة.
وفيما أجبرت الحرب في سوريا مئات آلاف الأشخاص على اللجوء إلى لبنان، وسعت أطباء بلا حدود نطاق استجابتها لتلبية الاحتياجات المتزايدة. تبرعت فرقنا بإمدادات طارئة للمراكز الصحية القريبة من الحدود السورية، وأطلقت برنامجًا للصحة النفسية في وادي خالد، وبحلول عام 2013، بدأت الفرق الطبية بالعمل في مختلف أنحاء طرابلس وسهل البقاع وبيروت وصيدا. وصلت الرعاية إلى السكان بناءً على احتياجاتهم الطبية – كاللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب، واللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والسكان اللبنانيين الأشد حاجة، والأشخاص العائدين من سوريا – بغض النظر عن أوضاعهم.
ومع مرور الوقت، وسّعت أطباء بلا حدود نطاق أنشطتها لتشمل رعاية الأمراض الحرجة والمزمنة، والصحة النفسية، والصحة الجنسية والإنجابية، والرعاية الطبية للأم والطفل، والإحالات المتخصصة والخدمات الاستشفائية في مستشفى بر الياس ومستشفى زحلة الحكومي. وفي مستشفى رفيق الحريري الجامعي، أنشأنا مركزًا لرعاية الأم والطفل يعتمد نموذج رعاية قائمًا على القبالة القانونية.

عندما وقع نظام الرعاية الصحية تحت ضغوطات هائلة
منذ عام 2019، لم تعد الرعاية الصحية في متناول كثير من الناس. أثقل فيروس كوفيد-19 كاهل النظام الصحي الذي كان يعاني أساسًا من ضغوطات هائلة، ثم أدى انفجار مرفأ بيروت إلى احتياج آلاف الأشخاص للرعاية الطبية والنفسية العاجلة.
وعندما انتشر فيروس كوفيد-19 في عام 2020، تسبب ذلك بإنهاك نظام الرعاية الصحية. ومع تزايد عدد الإصابات، حولنا مستشفانا فيبر الياس في سهل البقاع إلى مرفق مخصص لعلاج كوفيد-19، ودعمنا مركز عزل في سبلين، جنوب البلاد.
في عام 2022، استجبنا لأول تفشي لمرض الكوليرا في لبنان منذ قرابة ثلاثة عقود، وذلك بافتتاح وحدات لعلاج الكوليرا في بر الياس وعرسال، وأقمنا نقاط إماهة في طرابلس وبيروت وبر الياس وعرسال. وللمساعدة في الحد من انتشار المرض، أطلقت فرقنا أنشطة للتوعية والوقاية من العدوى، ووزعت مستلزمات النظافة الصحية، ودعمت الحملة الوطنية للتطعيم من خلال التطعيم المنزلي في شمال وشمال شرق لبنان.
لكن كثيرًا من المرضى لم تأتهم هذه الأزمات بمفردها، فقد كانوا يعانون أساسًا من انقطاع العلاج والنزوح وارتفاع تكاليف الرعاية.
الاستجابة الحالية
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدت تصعيدات الحرب المتكررة والمثقلة بقصف إسرائيلي مكثف إلى تهجير قسري وتزايد في الاحتياجات الطبية. نشرت أطباء بلا حدود فرقًا متنقلة في النبطية، وقدمت رعاية للإصابات البالغة وتدريبًا على التعامل مع الإصابات الجماعية، وعالجت المصابين في مخيم عين الحلوة، ثم نشرت لاحقًا 22 فريقًا طبيًا متنقلًا في مختلف أنحاء بيروت وجبل لبنان وبعلبك-الهرمل وعكار.
واليوم، تعمل أطباء بلا حدود جنبًا إلى جنب مع وزارة الصحة العامة لدعم المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية في جميع أنحاء البلاد من خلال التبرعات، وتوفير الوقود، ورعاية الإصابات البالغة، والاستجابة الطارئة. وإلى جانب الإصابات الجسدية، تظهر آثار الحرب بصور أقل وضوحًا. ولهذا أطلقت أطباء بلا حدود خطًا هاتفيًا لتقديم الدعم النفسي عن بُعد للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في التكيف مع الأوضاع.
رعاية قائمة على الاحتياجات
على مدى خمسين سنة، قدمت أطباء بلا حدود رعاية طبية مستقلة في لبنان للأشخاص المتضررين من الحروب والأزمات والحرمان والعوائق التي تحول دون حصولهم على الرعاية الصحية. وانطلاقًا من الحاجة الطبية وحدها، وصلت هذه الرعاية إلى اللاجئين الفلسطينيين والعائلات السورية والعمال المهاجرين والسكان اللبنانيين الذين يعيشون تحت وطأة النزاع والانهيار الاقتصادي.
خلال هذه الأزمات، اتخذت المعاناة أشكالًا متعددة، بدءًا بإصابات الحرب والتهجير، وصولًا إلى تفشي الأمراض وتوقف العلاج، فضلًا عن المعاناة اليومية للحصول على الرعاية. ظلت استجابة أطباء بلا حدود قريبة من الناس طوال هذه الفترة، سواء من خلال المرضى الذين تلقوا العلاج، أو الاحتياجات التي شهدناها، أو الرعاية التي قدمناها. وهذا هو جوهر عمل أطباء بلا حدود في لبنان: 50 سنة والإيد عالجرح بتشفي.
نبض