كيف يتأثر التحقيق في انفجار مرفأ بيروت بعد إلغاء عقوبة الإعدام؟
فتحت خطوة إلغاء عقوبة الإعدام الباب واسعاً أمام تحوّلات مفصلية في ملفات قضائية شائكة، لا يمكن حصرها بأنها فقط تخفيف للأحكام الصادرة عن القضاء أو تخلي الدولة عن العقاب بالقتل.
حقوقيون من مختلف دول العالم رحبوا بالقانون. حتى إن ملف انفجار المرفأ الذي يمكن اعتباره الأهم في تاريخ القضاء، طالته ترددات إلغاء هذه العقوبات، التي كانت حجة لسنوات من المماطلة والهروب من تسليم كل من دولة بلغاريا وقبرص صاحب سفينة "روسوس" التي أتت بالنيترات إلى لبنان، رجل الأعمال الروسي-القبرصي إيغور غريتشوشكين، بذريعة الخوف من إعدامه في لبنان.
سقطت هذه الذريعة مع تعديل التشريع اللبناني وإرساء السجن المؤبد كأقصى عقوبة. وعاد الحديث عن إمكان تسليم غريتشوشكين على الرغم من استجواب المحقق العدلي طارق البيطار له في بلغاريا وتمنّعه عن الإجابة. فهل يمكن ذلك أن يحصل بعد كل التقدم في الملف واقترابه من القرار الاتهامي؟ والأهم، هل يؤخر الأمر القرار المنتظر ويعيد التحقيق إلى النقطة الصفر؟
لا تأخير في القرار الظني
تسليم المطلوبين الأجانب إلى لبنان، من ضمنهم مالك السفينة، هو بلا شك واحدة من العقد القضائية والديبلوماسية التي تحمل التفسير والأخذ والرد القانوني.
المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين يقول لـ"النهار": "صحيح أن وجود عقوبة الإعدام في نصوص قانون العقوبات اللبناني المتصلة بالإرهاب والقتل العمد، شكّل عقبة وذريعة قانونية أساسية استندت إليها دول غربية وأوروبية تطبيقاً للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لرفض مذكرات الاسترداد أو النشرات الحمر الصادرة عن الإنتربول، ولكن اليوم سقط العائق الإنساني الأساسي الذي كانت تتحصن به المحاكم الأجنبية لرفض التسليم، والتزام التعاون القضائي الدولي أصبح أكثر إلحاحاً".
على الرغم من وصول الملف إلى مرحلة المراجعة النهائية، يمكن من الناحية النظرية والإجرائية أن يطلب تسليم هذا الشخص بحسب ما يوضح يمين "ولكن بآليات ومسارات محددة زمنيّاً، أبرزها استقلالية مسار الاسترداد عن موعد صدور القرار الاتهامي، إضافة إلى أن الاسترداد لا يوقف التحقيق، كما أنه يفترض ألّا يعلّق المحقق العدلي الملف في انتظار المطلوب في حال عدم تسليمه، بل يصدر قراره ويدّعي عليه إذا ارتأى موجباً للادّعاء، ويحيله على المحاكمة غيابياً أمام المجلس العدلي".
ولا ينفي يمين أن ثمة عقبات واقعية متبقية أمام التسليم حتى مع تحييد عقبة عقوبة الإعدام، هي حظر تسليم المواطنين إذا كان المطلوب يحمل جنسية الدولة المقيم فيها، والتعقيدات الديبلوماسية، بيد أن إجراءات الاسترداد القضائي بين الدول تمر بقنوات ديبلوماسية ومحاكم أجنبية قد تستغرق شهوراً أو سنوات، وهي مدة تفوق عادةً الزمن المتبقي لصدور القرار الاتهامي.
الجدير ذكره أن وزير العدل عادل نصار كان قد أكد في حديث سابق لـ"النهار" مطلع هذا الشهر، تزامناً مع الذكرى السنوية السادسة للانفجار، أن القرار الاتهامي يفترض أن يصدر في مهلة أقصاها ثلاثة أشهر.

مالك السفينة متهم أساسي
أهالي شهداء المرفأ عبّروا عن رغبتهم في استجلاب مالك السفينة باعتبار أن ثمة علامات استفهام حول عدم تجاوبه مع البيطار، فضلاً عن أن السفينة غيّرت مسارها ورست في المرفأ في العاصمة اللبنانية من دون معرفة السبب.
شقيقة الشهيد جوزف روكز المحامية سيسيل روكز توضح في حديث إلى "النهار" أن "هذا الشخص استجوب فعليا مرة واحدة في 12 آب 2020، بعد أيام من حصول الانفجار عند الضابطة العدلية في قبرص، ولم يتجاوب مع البيطار في الاستجواب اللاحق بذريعة أنه قال ما لديه في قبرص، لكن هذا ليس مبرراً، خصوصاً أن من الطبيعي أن يكون لدى القاضي الذي درس الملف أسئلة تختلف عن أسئلة شرطي في ضابطة عدلية".
وبحسب روكز "الآن خُتم التحقيق، ويمكن أن يكون المحقق العدلي حصل على ما يريده من معلومات بطريقة أخرى، ولكن مالك السفينة متهم أساسي، خصوصاً أن السفينة غيرت مسلكها، ويمكن أن يدعى عليه في القرار المنتظر".
غريتشوشكين مشبوه
توازيا، كشفت شبكة "ميدوزونا" الإلكترونية أن الملكية المباشرة للسفينة تعود إلى رجل الأعمال الروسي الذي كان يقيم في قبرص، وهو مسوول عن إدارة أسطول للنقل والشحن البحري. وللمفارقة ذكرت تقارير عدة منذ عام 2020 أن أداء الأخير في التجارة والتعامل مع الشركات يثير شكوكا واسعة، بيد أنه كان يسيّر عمله تحت اسم شركات مسجلة في ملاذات ضريبية، كجزر مارشال لتفادي المسؤولية، وهي فعلياً شركات وهمية.
كذلك اتهمه البحارة بالامتناع عن دفع أجورهم والتخلي عنهم في عرض البحر، ليقوم لاحقاً بإشهار إفلاسه وإغلاق شركته للتملص من ملاحقات الدائنين ومذكرات الاعتقال.
نبض