العفو العام: قراءة بالأرقام عشية فتح أبواب السجون
تشير المعطيات القضائية الأولية إلى أن نحو 2300 سجين وموقوف يمكن أن يخرجوا في المرحلة الأولى، بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية واستكمال المعاملات.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على آخر قانون للعفو العام، أبصر القانون الجديد النور في لبنان، منهياً فصلاً طويلاً من التجاذب السياسي والقضائي حول واحد من أكثر الملفات حساسية في البلاد. وبين ارتياح عائلات موقوفين ومحكومين طال انتظارهم للحرية، واعتراضات سياسية على شمول فئات متهمة بجرائم خطيرة، خرج القانون بوصفه تسوية سياسية وقانونية شاقة، أكثر منه اتفاقاً كاملاً على مفهوم العدالة.
فقد أقره مجلس النواب بعد إدخال تعديلات أساسية على صيغته، بينها حفظ الحق الشخصي للمتضررين وضحايا الجرائم، وتنظيم تخلية من لم تصدر في حقهم أحكام ومتابعة محاكمتهم خارج السجن. كذلك خُفّض شرط تخلية الموقوفين من 14 إلى 12 سنة، وحُذفت كلمة "مبرم"، بما يحصر تخلية السبيل بمن لم يصدر في حقه حكم.
لكن إقرار القانون لم ينهِ الانقسام. فقد انسحب نواب "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" اعتراضاً على شمول متهمين بقتل عناصر من الجيش خلال أحداث أمنية سابقة، فيما رأت قوى أخرى أن استمرار إبقاء آلاف الموقوفين في السجون، وبعضهم سنوات من دون محاكمة، هو في ذاته وجه من أوجه الظلم.
2300 ... خروج أولي
تشير المعطيات القضائية الأولية إلى أن نحو 2300 سجين وموقوف يمكن أن يخرجوا في المرحلة الأولى، بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية واستكمال المعاملات. أما العدد الأوسع للمستفيدين فيراوح، بحسب طريقة احتساب خفض العقوبات وتسوية الملفات، بين 3300 و3500 شخص.
ولا يعني ذلك خروج الجميع دفعة واحدة، إذ يستفيد قسم منهم من العفو الكامل، فيما يخضع آخرون لخفض العقوبات وفق شروط القانون.
ويأتي ذلك في ظل أزمة سجون خانقة، إذ بلغ عدد المحبوسين نحو 6268 شخصاً حتى 30 آذار 2026، فيما وصلت نسبة الاكتظاظ إلى نحو 300 في المئة وفق تقارير حقوقية.
عون وسؤال "العدالة"
في هذا السياق يأتي اعتراض النائب آلان عون على عدم شمول بعض موظفي "النافعة" بالعفو، متسائلاً عملياً عن مفارقة أن موظفاً تقاضى، وفق المعطيات التي عرضها، "30 أو 50 دولاراً" مقابل معاملة يبقى خارج القانون، بينما يستفيد أشخاص في ملفات أشد خطورة من خفض العقوبات.
ولا يشمل القانون تجار المخدرات بصورة مطلقة، إذ يستثني فئات من جرائم المخدرات، ولا سيما بعض الجرائم المتكررة أو المرتبطة بالاتّجار المنظم، فيما يمكن أن يستفيد بعض المتعاطين والمزارعين أو المدانين للمرة الأولى وفق شروط محددة.
وهنا يصبح السؤال أوسع من العفو نفسه: ما معيار العدالة الذي بُني عليه القانون؟
الإسلاميون 256
رغم الحضور السياسي والإعلامي الكبير لقضية الموقوفين الإسلاميين، تكشف الأرقام أنهم يشكلون فئة محدودة من مجموع المستفيدين. فالعدد الإجمالي للموقوفين والمحكومين الإسلاميين يبلغ 256 شخصاً، من بينهم 13 محكوماً بالإعدام تحولت عقوباتهم إلى 17 سنة سجنية، أي 12.7 سنة فعلية. ومن المقرر الإفراج عن 3 فوراً، و2 بعد سنة، و2 بعد أكثر من سنة، و6 تباعاً.
أما المحكومون بالمؤبد فيبلغون 50 شخصاً، تتحول عقوبتهم أيضاً إلى 17 سنة، أي 12.7 سنة فعلية. ويُفرج عن 21 منهم فوراً، و10 خلال أقل من سنة، و7 بعد أكثر من سنة، و12 تباعاً.
وبالنسبة إلى سائر الموقوفين والمحكومين، وعددهم 193 شخصاً، فيُفرج عن 140 منهم حالياً، فيما يخرج الباقون خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وبصيغة نيابية أخرى، جرى الحديث عن استفادة 79 موقوفاً إسلامياً من 146. والاختلاف بين الرقمين يعود إلى أن الرقم 146 يتعلق بالموقوفين، بينما يشمل الرقم 256 المحكومين والموقوفين معاً.
أما أحمد الأسير، الذي شكّل عنواناً أساسياً في معركة النواب السنّة، فلا يخرج فوراً بموجب الصيغة التي أُقرت، بل تتأخر استفادته إلى مرحلة لاحقة.
اللبنانيون وغير اللبنانيين
تبقى الجنسية إحدى النقاط التي تحتاج إلى تدقيق نهائي. فغير اللبنانيين يشكلون نسبة مرتفعة من نزلاء السجون، قاربت في إحصاءات سابقة 48 في المئة، لكن القانون لا يجعل الجنسية في ذاتها مانعاً من الاستفادة.
وبالنسبة إلى غير اللبناني المستفيد، تنتقل قضيته بعد خروجه إلى الأمن العام لاتخاذ الإجراء القانوني المناسب، ما يعني أن الإفراج لا يعني بالضرورة البقاء في لبنان.
عفو أو تسوية؟
المشكلة أن قانون العفو لا يعالج أزمة السجون من جذورها. فالاكتظاظ وطول التوقيف الاحتياطي وبطء المحاكمات ونقص الإمكانات القضائية ملفات تحتاج إلى إصلاح يتجاوز العفو.
ومعلوم أن إبقاء ملف عبرا خارج التسوية يبقي جرحاً مفتوحاً بين عائلات الموقوفين وعائلات العسكريين الضحايا، ويجعل السؤال عن العدالة قائماً رغم إقرار القانون.
في المحصلة، يفتح العفو أبواب السجون أمام آلاف الأشخاص، لكنه لا يغلق باب المظلومية. فقد نجح في تحقيق حد أدنى من التسوية السياسية وتخفيف أزمة الاكتظاظ، لكنه ترك خلفه سؤالاً أكبر: هل استطاع القانون أن يحقق العدالة، أو أنه نجح فقط في بلوغ التسوية الممكنة؟
نبض