بين النقص التشريعي وتردد الوزيرة... معركة الطلبات الحرّة للشهادة الثانوية تشتعل
كريستي بدر شابة في الحادية والعشرين من عمرها، كان يفترض أن تكون اليوم في أروقة الجامعة تسجّل موادها الدراسية، لكنها تجد نفسها معلقة في منطقة رمادية تلتهم أحلامها يوماً بعد يوم.
بدأت قصتها بعد حادثة أليمة فرضت عليها الابتعاد عن الدراسة المنتظمة. لكنها لم تستسلم، وقررت سلوك الطريق القانوني المتاح: التقدم بـ"طلب حرّ" للشهادة الثانوية العامة.
ولكن بدلاً من أن يكون الطلب الحر طوق نجاة، تحول إلى دوامة من التأجيلات. وفي اليوم الذي توجهت فيه لتسلّم بطاقة ترشيحها لخوض الامتحان، تلقّت صفعة القرار الرسمي: "التأجيل لوقت غير محدد!"
بحرقةٍ، تقول كريستي لـ"النهار": "الجامعات تستعد لإغلاق أبواب التقديم، وأنا بعدني ما عملت فحص ولا طالعة نتيجتي... مش عارفة المستقبل شو هو!"
— MEHE_Lebanon (@MeheLebanon) August 13, 2026
تخبّط وزاري تشريعي
تأتي هذه الحادثة في ظل بلبلة طالت ملف الطلبات الحرة، وسط تخبط في الأرقام والتصريحات. فبعدما أُشيع أن عدد المتقدمين يصل إلى 14 ألفاً، أوضحت وزارة التربية في بيان أن العدد الفعلي بلغ 1341 طلباً للثانوية العامة و376 للشهادة المتوسطة.
العقدة الأساسية ليست في الأرقام، بل في التشريع. إذ تعود جذور المشكلة إلى الجلسة التشريعية السابقة في البرلمان التي ألغت الامتحانات الرسمية. وكان المقترح الأساسي المقدم من النائبة بولا يعقوبيان ورئيس لجنة التربية النيابية حسن مراد يهدف إلى شمول أصحاب الطلبات الحرة بالإفادات الرسمية الموازية للشهادة، إلا أن الكتل النيابية ارتأت استثناءهم، باعتبار أن المتقدمين لا يأتون جميعاً من تسلسل أكاديمي منتظم، ما يفرض إخضاعهم لامتحانات رسمية لتقييم مستواهم.
وبحسب وزارة التربية، فإن القانون لم يتضمن أيّ نص يتعلق بالطلبات الحرة. وتقول مصادر "النهار" إن القانون "منتقص وغير واضح"، وإن المسألة كان يجب أن تُحسم فيه صراحة، ما دفع الوزارة للجوء إلى هيئة التشريع والاستشارات، وطلب محاضر جلسات مجلس النواب وإرفاقها بالملف لمعرفة خلفية المداولات التي سبقت إقراره.
وذكرت مصادر وزارة التربية لـ"النهار" أن "رأي هيئة التشريع والاستشارات قضى بإخضاع الطلبات الحرة لامتحانات رسمية".
اتهامات... ومخالفة القرارات الحكومية
في المقابل، يرى مقرر لجنة التربية النائب إدغار طرابلسي أن "تصرف الوزارة غير مسؤول وفيه عجز واضح"، معتبراً أن القرار الحكومي والتنفيذي أرفع من الاستشارة القانونية، وكان يفترض بالوزارة تنفيذ مواعيد الامتحانات التي حددتها مسبقاً.
ويتساءل: "لماذا لم تُجرَ الامتحانات رغم تحديد مواعيدها رسمياً؟". وبعد تقدمه مع زملائه النواب غسان عطاالله ونقولا صحناوي وسليم عون بأسئلة للحكومة، يتهم طرابلسي الوزارة باستخدام منصتها الإعلامية للهجوم والدفاع بدلاً من الرد الرسمي على الأسئلة النيابية عبر رئاسة المجلس.
كذلك يشير إلى تناقض في موقف الوزارة، إذ أعلنت سابقاً استعدادها لإجراء الامتحانات، قبل أن تتراجع بحجة انتظار الاستشارة، ويضيف: "الوزيرة ريما كرامي لا مبالية. هي تلومنا بنقص التشريع، في حين كانت حاضرة في الجلسة العامة، وكان يفترض بها تنبيه المجلس إلى أن القانون لا يشمل الطلبات الحرة لتعديل النص قبل إقراره".
بافتتاح الجلسة التشريعية اعترضنا على اهمال وزارة التربية لإجراء امتحانات للطلبات الحرة، وعلى الظلم الواقع بحق خريجي الطب في عدم إصدار نتائج امتحانات الكولوكيوم وربطها بفحص سريري لم تحدد مواعيده، وصار عائقاً أمام استكمال الاختصاص أو الالتحاق بالعمل وخسارات متنوعة يدفعون ثمنها … pic.twitter.com/v5p9oHma98
— Edgard Traboulsi (@EdgardTraboulsi) August 11, 2026
ظاهرة عالمية وحق مكتسب
إلى ذلك، يؤكّد طرابلسي أن "الطلبات الحرة ليست بدعة لبنانية". فهي نظام معمول به في فرنسا وبريطانيا وغيرهما، ويُعتمد في لبنان منذ أكثر من 50 عاماً، وأتاح تاريخياً لتلاميذ من أعمار وظروف مختلفة، بينهم كبار السن ورجال دين وأمهات وآباء، استكمال تحصيلهم العلمي.
وفي دورة 2026، شملت الفئات المسموح لها بالتقدم إلى الثانوية العامة، المرشحين الأحرار، والراسبين الذين يقل معدلهم المدرسي عن 20/9.5، والناجحين مدرسياً في حالات محددة ممن يحتاجون إلى الشهادة بعلاماتها للجامعة أو منحة أو وظيفة، والناجحين في دورة 2025 ممن يقل معدلهم العام عن 20/12.
البرلمان يتحرّك
أمام هذه العقدة التفيذية التشريعية، يتجه البرلمان إلى تقديم "اقتراح قانون معجّل مكرّر" أعده عدد من النواب من بينهم يعقوبيان وبلال الحشيمي، بدعم من رئيس لجنة التربية النيابية ونواب آخرين، لمطالبة رئيس المجلس نبيه بري بإدراجه في أقرب جلسة تشريعية مقبلة.
وبين وزارة تقول إن النص القانوني لم يحسم مصيرهم، ونواب يرون أن الإدارة كان عليها حماية حقهم في الامتحان، يبقى التلاميذ الضحية الأولى. وفي هذه المعادلة، لا تبدو القضية مجرد "طلبات حرّة"، بل هي اختبار لقدرة الدولة على صياغة قوانين واضحة من دون أن يدفع التلميذ ثمن التناقض بين التشريع والتنفيذ.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض