فرنسا تتمسّك بدورها في لبنان وتراهن على تغيّر المعادلات

لبنان 12-08-2026 | 18:39

فرنسا تتمسّك بدورها في لبنان وتراهن على تغيّر المعادلات

ترى باريس أن الأشهر المقبلة قد تحمل تطورات جديدة في المنطقة، وأن المعادلات الحالية ليست ثابتة. وقد تتغير الظروف السياسية في إسرائيل بعد الانتخابات، كما يمكن أن تتبدل بعض الأولويات الأميركية.


فرنسا تتمسّك بدورها في لبنان وتراهن على تغيّر المعادلات
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ ف ب)
Smaller Bigger

تعوّل فرنسا على تقوية علاقتها بلبنان وعلى حضورها القوي في الجنوب، بما يمكّنها من الاضطلاع بدور إلى جانب الدولة اللبنانية في أيّ مفاوضات مستقبلية بين لبنان وإسرائيل، خصوصاً إذا أدت الانتخابات المقبلة في إسرائيل إلى تغيير المعادلة السياسية الحالية في تل أبيب.

 

والحال أن العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيئة، وازدادت توتراً بعد اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية، وهو موقف دفع ماكرون في اتجاهه وشجع عدداً من الدول الغربية على اتخاذ خطوات مماثلة. ومنذ ذلك الحين، تنظر حكومة نتنياهو بريبة إلى الدور الفرنسي، فيما تستفيد إسرائيل من الدعم الأميركي ومن تولّي واشنطن دور الوسيط في المفاوضات مع لبنان للإصرار على استبعاد باريس.

 

وتتهم إسرائيل فرنسا بأنها حافظت على قنوات اتصال مع "حزب الله"، وتضيف إلى ذلك خلافها العميق معها حول القضية الفلسطينية. كذلك تزعم الدولة العبرية أن هناك دولاً مستعدة لإرسال قوات إلى الجنوب اللبناني للمشاركة في ترتيبات تتعلق بنزع سلاح "حزب الله". إلا أن هذا الطرح، بحسب المعطيات الفرنسية لا يستند إلى استعداد فعلي لدى دول أجنبية للقيام بمهمة من هذا النوع.

 

وتدرك باريس في الوقت نفسه أن إسرائيل، ومعها حليفتها الأميركية، لا تريدان التجديد لقوة الأمم المتحدة في لبنان "اليونيفيل". وترى فرنسا أن إسرائيل لا تريد وجوداً دولياً يمكن أن يعوق استمرار بقائها في القرى والمواقع التي لا تزال تحتلها في الجنوب اللبناني.

 

من هنا تكتسب الوحدة الفرنسية العاملة في إطار "اليونيفيل" أهمية خاصة بالنسبة إلى باريس. فهي تضم نحو 700 جندي وتشكل وجوداً فرنسياً مباشراً وفاعلاً على الأرض. ورغم أن وحدات دول أخرى، وفي مقدمها الإسبانية، أكبر عدداً، فإن الوحدة الفرنسية تعدّ من وحدات النخبة وتتمتع بقدرات تتيح لها التحرك والعمل في مناطق مختلفة.

 

ولا يقتصر الحضور الفرنسي في الجنوب على الجانب العسكري. فالقائم بالأعمال الفرنسي في لبنان برونو دوسيلفا يزور  برفقة منظمة غير حكومية، بلدتي عين إبل ورميش المسيحيتين في الجنوب، في إطار تحرك يتعلق بالمساعدات الإنسانية للسكان.

 

وتكتسب الزيارة دلالة إضافية، إذ إن "بعثة مسيحيي الشرق" لم تتمكن قبل فترة وجيزة من الوصول إلى هذه القرى المسيحية بسبب منع إسرائيل دخولها. لذا تحرص باريس على إبقاء حضورها الإنساني والديبلوماسي فاعلاً على الأرض، إلى جانب وجودها العسكري في إطار "اليونيفيل"، خصوصاً في منطقة تشكل اليوم إحدى أكثر نقاط التجاذب حساسية بين لبنان وإسرائيل.

 

عون طلب ...ولا جواب

ترى مصادر فرنسية أن لبنان دولة سيدة ويمكنه فرض ما يعتبره مناسباً لمصالحه، مشيرة في هذا السياق إلى أن الرئيس جوزف عون طلب من نظيره الأميركي دونالد ترامب التمديد لـ"اليونيفيل"، من دون أن يتلقى جواباً حتى الآن، رغم أن الإسرائيليين والأميركيين أعلنوا أكثر من مرة رفضهم استمرار القوة الدولية في الجنوب بصيغتها الحالية.

 

وفي الوقت الراهن، يستمر النشاط الفرنسي في لبنان بعد مغادرة السفير هيرفيه ماغرو، وفي انتظار وصول السفير الجديد باتريك دوريل نهاية آب أو مطلع أيلول. لكن ذلك لا يلغي وجود شيء من العتب الفرنسي على القيادات اللبنانية، خصوصاً أن باريس تعتبر أنها بذلت، بالتنسيق الوثيق مع المملكة العربية السعودية، جهداً كبيراً لإنهاء الفراغ الرئاسي والمساهمة في انتخاب قائد الجيش آنذاك رئيساً للجمهورية.

 

وقد يكون هذا العتب أحد الأسباب التي تفسر ملاحظة لافتة في الرابع من آب هذه السنة، إذ للمرة الأولى منذ ست سنوات، لم يصدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون موقف شخصي أو تغريدة في ذكرى انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020.

 

ولهذا الغياب رمزية خاصة، لأن ماكرون كان الرئيس الوحيد في العالم الذي سارع بعد الكارثة مباشرة إلى زيارة لبنان والتجول في الأحياء المنكوبة في بيروت، في مشهد كرّس آنذاك حجم الاهتمام الفرنسي بلبنان وأطلق مرحلة من الانخراط الشخصي المكثف للرئيس الفرنسي في أزماته.

 

صحيح أن الخارجية الفرنسية أشارت إلى ذكرى انفجار المرفأ، لكن ذلك حصل في وقت متأخر من ليلة الرابع من آب، بما أعطى الانطباع أن هذه الذكرى الأليمة التي شكلت عام 2020 نقطة انطلاق لتحرك فرنسي استثنائي تجاه لبنان، لم تعد تحظى بالأولوية نفسها.

 

دور فرنسي جديد؟

لا يعني ذلك أن فرنسا قررت الابتعاد عن لبنان. بل على العكس، ترى باريس أن الأشهر المقبلة قد تحمل تطورات جديدة في المنطقة، وأن المعادلات الحالية ليست ثابتة. وقد تتغير الظروف السياسية في إسرائيل بعد الانتخابات، كما يمكن أن تتبدل بعض الأولويات الأميركية، الأمر الذي قد يعيد خلط الأوراق ويفتح المجال أمام دور فرنسي جديد.

 

لهذا تراهن باريس على عامل الوقت وعلى بقائها في الميدان. فهي تدرك أن إسرائيل لا تريدها اليوم شريكاً في المفاوضات، لكنها ترى أن استبعادها في المرحلة الراهنة لا يعني استبعادها من أي تسوية مستقبلية.

 

فالوجود العسكري الفرنسي في الجنوب، والتحرك الإنساني والديبلوماسي، والعلاقة التاريخية مع لبنان، والتنسيق مع السعودية، كلها أوراق تريد فرنسا الحفاظ عليها. وقد يأتي وقت يطالب فيه اللبنانيون أنفسهم بدور فرنسي أكبر في أي مفاوضات جديدة مع إسرائيل.

 

هكذا تبدو السياسة الفرنسية اليوم قائمة على البقاء في لبنان وعدم الانسحاب من المشهد، حتى وإن كانت باريس خارج طاولة المفاوضات الحالية، في انتظار ما قد تحمله الأشهر المقبلة من تحولات في تل أبيب وواشنطن تعيد فتح الباب أمام دور فرنسي تعتبره باريس طبيعياً إلى جانب لبنان.

 


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.