بعد 10 سنوات... النويس في بيروت حاملة رسالة ثقة للسياحة اللبنانية
لم تكن عودة حركة المطار الشهر الماضي إلى أرقام قاربت نتائج تموز 2025 وحدها المفاجأة في صيف 2026. فبعد رفع الإمارات القيود المفروضة على سفر مواطنيها إلى لبنان، وفتح الباب أمام الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة بعد أكثر من أربعة عقود، جاءت زيارة الأمينة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة شيخة ناصر النويس لبيروت لتضيف مؤشراً آخر: اهتمام دولي بقطاع يحاول استعادة عافيته وثقة بقدرته على النهوض.
الزيارة التي جاءت بعد غياب عن لبنان استمر عشر سنوات، لم تقتصر على لقاءات بروتوكولية، إذ شاركت النويس في السرايا الحكومية في لقاء بعنوان "السياحة... محرّك للتعافي واستعادة الثقة والاستثمار"، بدعوة من وزيرة السياحة لورا لحود وبرعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وفي حضوره.
واجتمع في اللقاء وزراء وسبعة سفراء، في مقدّمهم سفيرا السعودية والإمارات، إلى جانب ممثلين للأمم المتحدة والهيئات والعاملين في القطاع السياحي وصنّاع المحتوى. وبدا تنوّع الحضور انعكاساً للفكرة التي أرادت وزارة السياحة إيصالها: السياحة ليست قطاعاً معزولاً، بل تتقاطع مع الاقتصاد والاستثمار والثقافة، وهي الصورة التي يصدرها لبنان إلى الخارج.

ترافق اللقاء مع توقيع مذكرة تفاهم مع "المنظمة العربية للسياحة" لبناء قدرات منظمات إدارة الوجهات السياحية DMO’s في لبنان، وهي هيكل تضافري أو مؤسسي تعمل وزارة السياحة على إرسائه بالتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين، لتطوير الأنشطة والخدمات السياحية في مناطق محددة بطريقة مستدامة ومدروسة.
السلام والاستقرار
في هذا السياق، توضح لحود لـ"النهار" أن نحو ستة نماذج بدأت العمل في هذا الاتجاه، بينها نموذج الشوف، حيث تتعاون القرى في الترويج لمناطقها ومهرجاناتها وربط الحرف والمنتجات المحلية لتسهيل تجربة الزائر.
ولكن في صلب هذا الحراك، تضع لحود شرطاً لا يمكن تجاوزه: "السلام والاستقرار هما البنية التحتية الأولى للسياحة". فقبل المطارات والطرق والفنادق والمواقع السياحية والترويج، يحتاج السائح إلى الشعور بالأمان والثقة. وترى أن السائح الذي يختار لبنان لا يختار وجهة فحسب، بل "يعبّر ضمناً عن ثقته به: بالأمن، والإدارة، والقوانين، وبنوعية الخدمات".
وتصف لحود حضور النويس بأنه "رسالة ثقة ودعم، ليس فقط للقطاع السياحي، وإنما للبنان ككل، وخصوصاً في هذا الوقت الدقيق". وتكشف لـ"النهار" أن الوزارة تعمل على ملفات عدة، من رقمنة الوثائق والإجراءات، وتطوير الأدوات الرقمية للتعريف بالمناطق والأنشطة، إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تقديم المعلومات السياحية.
ولا يقتصر الرهان على إعادة السياح التقليديين، إذ تقول لحود إن "لبنان في حاجة إلى أن يسمع مجدداً الإيطالية والإسبانية والألمانية"، في إشارة إلى السعي لاستعادة السياحة الأجنبية وتوزيع الحركة على المناطق اللبنانية على مدار السنة.

"لبنان يملك كل شيء"
من جهتها، ترى النويس أن لبنان "يملك كل ما يبحث عنه المسافر"، من المغامرات وفن الطهي إلى التراث والثقافة، فضلاً عن تنوّع المنتجات السياحية. وتشير إلى أن السياحة من أكثر القطاعات تأثراً بالأزمات، لكنها في المقابل من أوائل القطاعات التي تتعافى بعدها، ما يجعل بناء القدرة على الصمود والتخطيط للأزمات جزءاً أساسياً من مستقبلها.
وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيكون عنصراً أساسياً في تطوير القطاع، مشددة على أهمية التآزر بين القطاعين العام والخاص، ومعلنة رغبة المنظمة في "مساعدة لبنان".
أما سحر بعاصيري، عقيلة رئيس الحكومة، فرأت في اللقاء فرصة لتبادل الأفكار مع السفراء والشخصيات المشاركة، معتبرة أن لبنان "يمتلك إمكانات كثيرة"، لكن الاستقرار الأمني يبقى العامل الحاسم في تفعيلها. وقالت إن "التجربة اللبنانية أثبتت مراراً أنه ما إن تهدأ الأوضاع ويطمئن بال اللبناني، حتى تعود السياحة إلى الانتعاش"، مؤكدة أهمية القطاع للحياة وللاقتصاد.
وفي موازاة الخطاب الرسمي، كان للشباب وصنّاع المحتوى حضورهم اللافت. إذ يقول صانع المحتوى السياحي جاد عاصي لـ"النهار" إن العمل مع الوزارة يهدف إلى إظهار "وجه لبنان الجميل"، من السياحة الدينية والرياضية والثقافية إلى المطبخ اللبناني، معتبراً أن توحيد الجهود وإبراز الإيجابيات يمكن أن يظهرا صورة لبنان الحقيقية.
بين فتح أبواب جوية جديدة، وعودة مسؤولة أممية بعد عقد، ومشاريع تعمل عليها وزارة السياحة، تبدو أمام لبنان فرصة فعلية لتحويل المؤشرات الإيجابية إلى مسار أكثر استدامة. ويبقى كل ذلك رهنا بالوضع الأمني والاستقرار، لا سيما في ظل استمرار استهداف مواقع أثرية وسياحية، إذ يصعب بناء وجهة مستدامة فيما لا يزال العامل الأمني قادراً على قلب المشهد في أي لحظة.
نبض