تصعيد ميداني في الجنوب يدهم مفاوضات روما... تقاطع الأهداف التخريبية يحاصر الجانب اللبناني
لم تكن تنقص تعقيدات المفاوضات المتواصلة في روما في يومها الثاني، إلا تصعيدٌ ميداني واسع في الجنوب أبرز في خلفيته الحصار الاستراتيجي والعملي الذي يتعرض له الجانب اللبناني المفاوض، بفعل تقاطع الأهداف التعطيلية لبلوغ نتائج إيجابية حاسمة للمفاوضات بين إسرائيل و"حزب الله". فلا إسرائيل التي تقترب من الانتخابات المبكرة ستكون في وارد تقديم التسهيلات لسحب قواتها من المناطق التي تحتلها في الجنوب، ولا "حزب الله" المندفع لخدمة الأوراق الإيرانية سيوفّر أي فرصة للتخريب على مفاوضات المسار اللبناني الإسرائيلي الأميركي. وتبعاً لذلك بدت الساعات الأخيرة بمثابة تجسيد متجدّد للتقاطع التخريبي للمفاوضات بين إسرائيل و"حزب الله"، ولو أن المعطيات التي تسرّبت عن الجولة التفاوضية السابعة في روما حملت بعض الحلحلة قياساً باليوم الأول منها الذي اتّسم بتعقيدات كبيرة. وإذ سابق التصعيد الميداني في الجنوب مفاوضات روما، جاء رفع جلسات التفاوض عصراً قبل انتهاء الموعد المحدد لها نذيراً لتأثير التطورات الميدانية في الجنوب على المفاوضات، حيث بدأ الجيش الإسرائيلي الردّ بغارات وإنذارات جديدة على ما اعتبره خرقاً لـ"حزب الله" لوقف النار بتفجير عبوة أدى إلى مقتل جنديين وجرح سبعة في صفوفه.

ولعلَّ تشابك المعطيات السلبية وتداخلها بين الواقع الميداني وتعقيدات المفاوضات، لم يحجب عنصراً سلبياً آخر برز في الاشتباك العلني المتجدد بين رئيس الحكومة نواف سلام و"حزب الله"، إذ لا يستبعد أن يكون الهجوم المتجدد للحزب على السلطة وتخوينها في إطار ابتكار مسوّغات إضافية لمحاولاته اجهاض الخيار التفاوضي للسلطة. وكان الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم اتّهم الثلاثاء السلطة السياسية في لبنان بأنها "كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً لسيادة لبنان. والرئيس لم يعمل كحكم وجامع بل أصبح طرفاً ومُفرّقاً". وسارع الرئيس نواف سلام إلى الردّ عليه، معتبراً "أن العون الأكبر لإسرائيل قدّمه مَن تفرّد بإدخال لبنان في مغامرات حروب عبثية، ومنحها الذرائع للاعتداء على بلدنا ودوس سيادته وتدمير مدنه وقراه وقتل أبنائه وتهجيرهم بمئات الآلاف".
وخلال انعقاد المفاوضات في يومها الثاني في روما، أعلن إصابة عدد من الجنود الإسرائيليين بانفجار عبوة ناسفة في منطقة مجدل زون، وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن سقوط قتيلين وسبعة جرحى من اللواء 55 إثر انفجار عبوة ناسفة داخل مبنى مفخخ.
وعلى الأثر، أنذر الجيش الإسرائيلي سكان بلدة المنصوري - قضاء صور بالإخلاء والابتعاد عن القرية شمالًا لمسافة لا تقل عن 1000 متر إلى مساحات مفتوحة. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه بدأ بشنّ هجمات مركزة في جنوب لبنان "رداً على خرق "حزب الله" لوقف إطلاق النار". وسجلت غارة بين زبقين ومجدل زون. واستهدفت غارة مصلى بلدة تبنين قضاء بنت جبيل تسببت بسقوط ضحية و12 جريحاً. وسجل قصف مدفعي مكثف على أطراف كفررمان وقصف فوسفوري على "علي الطاهر".
وأفيد بأنّ مسيّرة إسرائيلية نفذت غارة إستهدف بلدة تبنين في قضاء بنت جبيل وأدت إلى إشعال حرائق في الأحراش، وقد أدى ذلك إلى وقوع إصابات نقلت إلى المستشفى بينها قتيل و6 جرحى. وأفيد أن حوالى 15 عائلة غادرت بلدة المنصوري إثر الإنذار الإسرائيلي.
جولة المفاوضات
وفي غضون ذلك، تواصلت لليوم الثاني جولة المفاوضات داخل مقر السفارة الأميركية في روما، حيث عقدت الوفود المشاركة ثلاثة اجتماعات متوازية ومنفصلة تناولت الملفات السياسية والعسكرية والحدودية.
وفي المعلومات التي توافرت عنها أن الجانب الإسرائيلي رفض الموافقة على الاقتراح اللبناني في شأن اعتماد منطقة تجريبية جديدة في بنت جبيل أو الخيام. وأشارت مصادر لبنانية مواكبة للمفاوضات إلى أن الوفد اللبناني طرح اعتماد إحدى المنطقتين كنموذج لانتشار الجيش اللبناني، إلا أن الوفد الاسرائيلي لم يوافق على الاقتراح ما أبقى أحد أبرز الملفات التفاوضية من دون تقدم. وأوضحت المصادر أن الوفد الإسرائيلي واصل التشدد حيال ربط أي تقدم بملف نزع سلاح "حزب الله". كما أثار الوفد اللبناني قضية الإنذار الذي وجّهه الجيش الإسرائيلي أمس إلى المنصوري وأجريت اتصالات لتجنيب البلدة الرد الإسرائيلي. كما طالب بتجديد وتأكيد وقف النار التام لمدة 60 يوماً، على أن يتم الاتفاق على موعد إعلانه. وتمنى الوفد الأميركي على الوفدين اللبناني والإسرائيلي وقف المناقشات أمس والعودة إليها اليوم لاستكمال بعض الاتصالات التي يقوم بها.
ولكن معلومات أخرى أكَّدت أن أجواء اليوم الثاني من المفاوضات بدت أفضل من الجلسة السابقة، مع تسجيل تقدّم في بحث ملفات الحدود وآليات التحقق، وأن التقدم بدا ملحوظاً في ملف التحقق. ونقلت عن مصادر قصر بعبدا إن المسارات الثلاثة في المفاوضات متقدمة والأكثر تقدماً مسار الحدود. وبحسب هذه المصادر قدّم الوفد اللبناني خلال بحث ملف الحدود عرضاً شاملاً ومدعّماً بوثائق قانونية وتاريخية، استعرض فيه تطور الحدود من خط الهدنة مروراً بالخط الأزرق وصولاً إلى الواقع الميداني الحالي، وأن العرض اللبناني حظي بإشادة من الجانب الأميركي، الذي اعتبره عرضاً محكماً من الناحية التقنية والتوثيقية.

وبدا لافتاً اتصال إيطالي إيراني تناول ضمن مواضيع البحث موضوع لبنان. إذ كتب وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني على "إكس"، إنه تحدث مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في شأن المفاوضات التي تجريها إيران حاليًا مع سلطنة عُمان لإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية. وأضاف: "كما بحثنا ملف لبنان، وأعربتُ عن أملي في أن تُسفر المفاوضات الجارية في روما عن نتائج ملموسة تُرسّخ وقف إطلاق النار وتُفضي إلى اتفاق عام. وأكدتُ له مجددًا أن دور إيران أساسي في وقف الأنشطة العسكرية لحزب الله".
وفي المواقف الداخلية البارزة، أيّد المطارنة الموارنة بعد اجتماعهم الشهري في المقر البطريركي الصيفي في الديمان برئاسة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي "مسار المحادثات الأميركية- اللبنانية- الإسرائيلية، بحيث يُحسن المشرفون عليها والعاملون لإنجاحها ترتيب الخطوات الآيلة إلى الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، وعودة الأهالي والبدء بإعادة إعمار المدن والبلدات والقرى المنكوبة". وشجب أعضاء المجلس "بشدة مواصلة إسرائيل إلحاق الأذى المتعمد بالمنطقة الحدودية، من خلال جرف المنازل والمؤسسات، وتدمير البنى التحتية، وتبديل معالم المواصلات والسكن، وحرق الأحراج والأشجار المثمرة أو اقتلاعها والإستيلاء عليها. ويأملون بأن يكون وضع حد لذلك أولوية في المحادثات الثلاثية".
نبض