عون من أنقرة: الشراكة مع تركيا ضرورة استراتيجية... وأردوغان يتعهد بدعم لبنان
في وقتٍ يواصل فيه لبنان مواجهة تداعيات الحرب الإسرائيلية وتكثيف حراكه الدبلوماسي، رسم رئيس الجمهورية جوزف عون معالم مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية، مؤكداً أن استقرار لبنان يشكل جزءاً لا يتجزأ من استقرار المنطقة، وأن الحرب، رغم كلفتها البشرية والاقتصادية الباهظة، لم تنجح في كسر إرادة اللبنانيين أو ثنيهم عن استعادة سيادة دولتهم وإعادة إعمار وطنهم.
وأعلن عون، بعد محادثاته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الزيارة تؤسس لشراكة أكثر عمقاً بين البلدين، في وقت شدد فيه الرئيس التركي على استعداد بلاده لمواصلة دعم أمن لبنان وتعزيز التعاون معه.

وأكد عون، خلال لقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن زيارته الرسمية إلى تركيا تأتي في مرحلة مفصلية تشهدها المنطقة، وتهدف إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية، ترتكز على شراكة أوسع وتعاون يخدم مصالح البلدين ويسهم في استقرار المنطقة.
وقال عون إن "تركيا محطة تعكس ما يجمع بلدينا من علاقات راسخة، وإرادة مشتركة لتعزيز التعاون بما يخدم مصالح شعبينا ويسهم في استقرار منطقتنا"، معتبراً أن محدودية الزيارات الرئاسية اللبنانية إلى تركيا خلال العقود الماضية لا تعكس أهمية العلاقة بين البلدين.
وأضاف: "اليوم تأتي هذه الزيارة في لحظة فارقة تعيد فيها منطقتنا رسم ملامح مستقبلها، ومن مسؤوليتنا أن نضمن أن تكون الشراكة اللبنانية – التركية جزءاً من صناعة هذا المستقبل، لا متفرجة عليه."
وأشار إلى أنه لمس لدى الرئيس أردوغان "رؤية واضحة وإرادة صادقة للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى جديد من التعاون"، مؤكداً أن استقرار لبنان "ليس شأناً لبنانياً وحده، بل هو جزء من استقرار المنطقة بأسرها"، معرباً عن ثقته بأن الزيارة ستشكل بداية مرحلة جديدة عنوانها "الشراكة والثقة والعمل المشترك."
وتوقف عون عند تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان، قائلاً إنه يحمل معه إلى أنقرة "وجع شعب دفع ثمناً باهظاً نتيجة الحرب الإسرائيلية"، مشيراً إلى آلاف الضحايا والدمار الواسع الذي طال القرى وعمليات التهجير والخسائر الاقتصادية الكبيرة.
وشدد على أن لبنان "لن يتنازل عن كرامته الوطنية، ولن يستسلم لقوة طاغية، ولن يقبل بأي تدخل أحادي في شؤونه الداخلية أو السيادية"، مؤكداً أن هذا النهج ينسجم مع طبيعة العلاقات التاريخية التي تجمع لبنان وتركيا.
وأضاف: "ما لم تستطع الحرب أن تدمره هو إرادة اللبنانيين، فنحن اليوم أكثر تصميماً على استعادة سيادة دولتنا، وإعادة إعمار وطننا، وبناء مستقبل آمن ومستقر لكل اللبنانيين."
كما توجه بالشكر إلى تركيا، قيادةً وحكومةً وشعباً، على وقوفها إلى جانب لبنان في مختلف المحطات، ولا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت وخلال الحرب الأخيرة، مثمناً دعمها المستمر للجيش اللبناني ومساهمتها في قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).
أردوغان
في المقابل، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، استعداد بلاده للمساهمة في كل المبادرات الرامية إلى دعم الأمن في لبنان وضمان سيادته، ولا سيما في مرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة الموقتة في جنوب لبنان (اليونيفيل).
وأضاف أردوغان: "إن انتهاء ولاية اليونيفيل سيشكّل تطوراً مهماً، وعقب انسحاب القوة الدولية الحالية، ترغب تركيا في المشاركة في كل المبادرات التي ستُتخذ لدعم الأمن في المنطقة وضمان سيادة لبنان".
وشدد على أن "دعمنا للقوات المسلحة اللبنانية في المجال الأمني سيستمر أيضاً"، مؤكداً استعداد أنقرة للمساهمة في إعادة إعمار جنوب لبنان الذي تضرر بشدة جراء الهجمات الإسرائيلية.
مطار انقره
وفي مستهل زيارته الرسمية إلى تركيا، توجه رئيس الجمهورية اللبناني جوزف عون، فور وصوله إلى مطار أنقرة العسكري، إلى ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، حيث تقدم بين ثلة من التشريفات التركية ووضع إكليلاً من الزهر، ثم وقف دقيقة صمت إجلالاً لذكرى الراحل.

وبعد ذلك، دوَّن الرئيس عون في السجل الذهبي الكلمة التالية:
"أقف اليوم أمام نصب الرئيس مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، لأسجل تحية إجلال لرجل جسّد إرادة شعب في بناء دولته من جديد، وحوّل الأرض التي استرجعها بالتضحية، إلى جمهورية قائمة على القانون والمؤسسات.
إن تجربة الرئيس أتاتورك، بما فيها من إصرار وثبات على الفكرة رغم كل الصعاب، تبقى مصدر إلهام لكل شعب يسعى إلى بناء دولته الحقيقية، والشعب اللبناني الصديق للشعب التركي يرى في هذه التجربة مثالاً يحتذى لترسيخ دولة القانون والمؤسسات، دولة العدالة والمساواة".
نبض