لم يرفع لبنان دعوى قضائية مباشرة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، لكنه لجأ تاريخياً إلى تقديم مئات الشكاوى الرسمية ضدها أمام مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة.
من هنا، فإن السوابق القانونية التي لجأ اليها لبنان ضد إسرائيل وُضعت في خانة شكاوى ولم ترّتب الكثير من النتائج، سواء على الصعيد السياسي أو في الشق المالي المتعلق بالتعويضات.
ولعلّ الإشكالية الأولى التي تطرح في ما خصّ مقاضاة إسرائيل الدولة من جانب لبنان، تتصل مباشرة بمسألة اعتراف لبنان الرسمي بإسرائيل دولةً.
من الشكل تتفرّع الجوانب القانونية – القضائية المتعلقة بمسألة المقاضاة. فلبنان الذي لم يعترف حتى تاريخه بإسرائيل، لم يسلك مرة مسار الدعاوى المباشرة في وجهها أمام محكمة العدل الدولية.
اقتصر مسار الدعاوى – الشكاوى على توثيق الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية، على شكل شكاوى قُدمت عبر بعثات لبنان الدائمة في الأمم المتحدة، وكانت بمثابة تعداد للانتهاكات، من اعتداءات على مدنيين، واستهداف مواقع تابعة للجيش اللبناني، واستخدام أسلحة محظورة، وغيرها من خروق للقرارات الدولية.
أهمّ السوابق
• بعد الاجتياحات الإسرائيلية، ولا سيما عامي 1978 و1982، تقدم لبنان بشكاوى متكررة إلى مجلس الأمن، نتج منها صدور قرارات دولية، أهمها القرار 425 الذي طالب إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان، والقرار 426 الذي أنشأ قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل).
مذذاك، دأبت وزارات الخارجية اللبنانية، والحكومات المتعاقبة أحيانا على تقديم عشرات الشكاوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن في شأن الخروق الجوية والبرية والبحرية والاعتداءات العسكرية.
• حرب تموز 2006: كانت الواقعة الأهم في هذا الملف. حين قدّم لبنان ملفات ووثائق إلى الأمم المتحدة تتعلق بالأضرار المدنية والقصف الإسرائيلي، واستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701 للمطالبة بوقف الانتهاكات الإسرائيلية. وأكثر، استطاع لبنان الرسمي - الديبلوماسي انتزاع قرار دولي من الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لإلزام إسرائيل دفع تعويضات تتجاوز 850 مليون دولار للبنان، نتيجة غارة إسرائيلية استهدفت خزانات الوقود في الجية وتسببت بكارثة بيئية.
ولكن، بقي القرار الأممي بلا تنفيذ، ولم تلتزم إسرائيل الدفع.
وفي جانب الآليات المتبعة، يمكن لبنان رفع دعاوى أمام محكمة العدل الدولية، إنما الأمر يتطلب تصريحاً بقبول اختصاصها، وهو ما لم يعتمده لبنان حتى الآن.
أما في ما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، فهي لا تحاكم دولا، بل أفراداً وقادة. وما يعزز اتجاه المقاضاة، أن اتفاقات جنيف للقانون الدولي الإنساني تمنع الدول من إعفاء نفسها أو غيرها من المسؤولية عن انتهاكات جسيمة أو جرائم حرب.
"مزايدات شعبوية"
قانوناً، الآليات المتاحة مع ما يرافقها من حق في التعويض يمكن أن تميّز بين مقاضاة المسؤولين الإسرائيليين الأفراد، ومقاضاة إسرائيل الدولة،
ومنها مقاضاة إسرائيل أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة، وإنشاء محكمة جنائية دوليّة خاصّة من مجلس الأمن للنظر بانتهاكات القانون الدولي الإنساني، واللجوء إلى اتفاقيات جنيف 1949، وبينها المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين والتي تتيح للمتضررين المقاضاة نتيجة هذا الانتهاك.
في المحصلّة، لم يقاضِ لبنان يوما إسرائيل، ولم تصل المواجهة مرة إلى محكمة العدل الدولية. كل ما سُجّل في هذا الإطار "مزايدات شعبوية" لم تتعدّ حدود "النصر الإلهي" الذي لم "يصرف" في أيّ مكان!
نبض