دير ميماس... قرية حدوديّة تتمسّك بالحياة بين الإيمان والخوف والحرب
*كريس قسطنطين
على بُعد 92 كيلومتراً من بيروت، وفي قضاء مرجعيون بمحافظة النبطية، تقع بلدة دير ميماس على ارتفاع 580 متراً عن سطح البحر، وتمتد على مساحة 4.38 كيلومترات مربعة. ويبلغ عدد سكانها المسجلين نحو 1090 نسمة، معظمهم من المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك، لتشكّل واحدة من أبرز البلدات المسيحية المتاخمة للحدود مع إسرائيل.
اليوم، تعيش دير ميماس على وقع الحرب الدائرة في الجنوب منذ اندلاع المواجهات بين "حزب الله" وإسرائيل. ورغم القصف، والدمار، والخوف الذي يخيّم على المنطقة، لا يزال عدد من أبنائها متمسكين بأرضهم، رافضين مغادرة منازلهم.
رافقت "النهار" وفداً ضمّ مؤسسة CMACGM وكاريتاس لبنان وجمعية L'Œuvre d'Orient، التي تواصل منذ بداية التصعيد تقديم المساعدات الغذائية والمواد الأساسية للعائلات المسيحية المقيمة في القرى الحدودية.
على الطريق المؤدية إلى البلدة، تبدو آثار الحرب واضحة. أما داخل دير ميماس، فتستمر الحياة بصمت. المخبز لا يزال يعمل، وبعض المنازل لا تزال مأهولة، فيما يصرّ السكان على البقاء رغم كل شيء.
داخل مخبزها، تستقبل دانا عازار الزبائن بابتسامة لا تخفي حجم القلق الذي تعيشه. لكنها لا تتخيّل نفسها خارج دير ميماس.
وقالت لـ"النهار": "إذا تركت دير ميماس، أكون مثل السمكة التي خرجت من الماء... سأموت كما تموت السمكة خارج الماء. أهلي وأجدادي عاشوا هنا، وأنا أريد أن يعيش أولادي هنا أيضاً".
كلمات دانا تختصر علاقة كثير من أبناء البلدة بأرضهم، حيث لا يُنظر إلى الرحيل كخيار، بل كاقتلاع من الجذور.
أما فادي الغزي، أحد أبناء البلدة، فيؤكد أن أبناء دير ميماس لم يكونوا يوماً طرفاً في الحرب.
وقال لـ"النهار": "مسيحيو دير ميماس أناس يريدون السلام ويعيشون من أجل السلام. هذه ليست حربنا، بل حرب بين إسرائيل وحزب الله، ونحن عالقون في الوسط."
ولا يقتصر تمسك الأهالي بالبقاء على الارتباط بالأرض، بل يرتبط أيضاً بإيمانهم الديني وتاريخ منطقتهم.
ويقول كاهن رعية القليعة، الأب أنطونيوس عيد فرح، إن أبناء القرى الحدودية يستمدون صمودهم من إيمانهم، مضيفاً أن السيد المسيح مرّ في جنوب لبنان، ما يجعل هذه الأرض، بالنسبة إليهم، أرضاً مقدسة تستحق الدفاع عنها والبقاء فيها.

بدوره، يذكّر رئيس بلدية دير ميماس بأن الجنوب عرف حروباً متكررة عبر العقود، إلا أن أبناءه كانوا يعودون دائماً ويتمسكون بأرضهم.
وقال إن 28 منزلاً في البلدة دُمّر خلال الحرب الأخيرة، لكن ذلك لم يكسر إرادة السكان، مشيراً أيضاً إلى أن اسم دير ميماس يعود إلى القديس مار ماما، في دلالة إلى الجذور الدينية والتاريخية العميقة للبلدة.
ومن أعلى التلة، تطلّ قلعة الشقيف (قلعة بوفور) على دير ميماس. ذلك المعلم التاريخي الذي كان يرفع العلم اللبناني، بات اليوم يرفع العلم الإسرائيلي بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي عليه، في مشهد يختصر واقع المنطقة وتعقيدات الصراع المستمر.
وفي موازاة معاناة السكان، يواصل العمل الإنساني حضوره في القرى الحدودية.
ويقول مدير جمعية L'Œuvre d'Orient في لبنان، فنسنت جيلو، إن رحلته مع الشرق الأوسط بدأت على متن سيارة R4، عندما قرر استكشاف الوجود المسيحي في المنطقة. لكن ما بدأ كمجرد رحلة تحول إلى ارتباط دائم، بعدما وقع في حب لبنان وقرر الاستقرار فيه.
وبالتعاون مع مؤسسة CMACGM و كاريتاس لبنان، تستمر الجمعية في إيصال المساعدات إلى دير ميماس والقرى المجاورة، من خضار ومياه ومواد غذائية معلبة ومنتجات نظافة وسائر الاحتياجات الأساسية، في صورة تعكس تضامناً إنسانياً مع سكان اختاروا البقاء رغم كل الظروف.
تكشف زيارة دير ميماس عن قرية لا تزال معلقة بين الحرب والحياة، حيث يتقدم الانتماء والإيمان على الخوف، ويصر السكان على التمسك بأرضهم مهما ارتفع ثمن ذلك.
ويختصر فادي الغزي واقع البلدة بكلمات تحمل مرارة عقود من الصراع، قائلاً: "أنا عمري 65 سنة. وُلدت على الحرب، ويمكن أموت على الحرب... إمتى رح نعيش بسلام؟".
نبض