هل تفاوض لبنان على العدالة؟ البند 13: العقدة الأخطر

لبنان 01-07-2026 | 11:21

هل تفاوض لبنان على العدالة؟ البند 13: العقدة الأخطر

المادة 52 من الدستور تنص بوضوح على أن المعاهدات الدولية لا تصبح نافذة بمجرد توقيعها، بل تحتاج إلى موافقة المؤسسات الدستورية المختصة، وفي حالات محددة إلى إقرار مجلس النواب. وبالتالي فإن الاتفاق بصيغته الحالية، لا يزال إطاراً سياسياً يحتاج إلى استكمال مساره الدستوري قبل أن يكتسب قوة الإلزام.

هل تفاوض لبنان على العدالة؟ البند 13: العقدة الأخطر
المحكمة الجنائية الدولية (رويترز)
Smaller Bigger

لم يحتج اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن إلى أكثر من أربعة عشر بنداً حتى تنفجر حوله واحدة من أكبر المعارك القانونية والسياسية في لبنان. فبعيداً من خرائط الانسحاب الإسرائيلي ومراحل بسط سلطة الدولة ومستقبل سلاح "حزب الله"، برز بند واحد كفيل بإثارة سؤال قد يرافق الاتفاق سنوات طويلة: هل يستطيع لبنان أن يتنازل عن حقه في ملاحقة إسرائيل على ما ارتكبته من جرائم في حق اللبنانيين؟

البند الثالث عشر الذي يلزم لبنان وإسرائيل وقف "كل الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية"، فتح الباب أمام نقاش يتجاوز السياسة إلى الدستور والقانون الدولي وحقوق آلاف الضحايا الذين سقطوا خلال الحرب الأخيرة، فضلاً عن الدمار الهائل الذي أصاب الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.


منذ اللحظة الأولى، قرأ كثيرون هذا النص بوصفه أكثر من مجرد بند لبناء الثقة بين الطرفين. فإسرائيل التي تواجه منذ سنوات ضغوطاً متزايدة في المحاكم الدولية، وتلاحقها تقارير أممية ومنظمات حقوقية تتهمها بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، تبدو معنية ليس فقط بوقف النار، بل أيضاً بإقفال الباب أمام أي مسار قضائي قد يلاحق قادتها أو يفتح الباب أمام مطالبات مالية وتعويضات عن الحرب.

ويكتسب هذا التخوف أهمية أكبر في ضوء استمرار توثيق الانتهاكات. فقد شددت الهيئة الوطنية اللبنانية لحقوق الإنسان على أن ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا يمكن اعتبارها عملاً عدائياً أو موقفاً سياسياً، بل هي ممارسة مشروعة لحق الضحايا في العدالة والحقيقة وجبر الضرر، مؤكدة أن هذه الحقوق لا يجوز التنازل عنها أو تقييدها باتفاقات سياسية.

يتقاطع هذا الموقف مع ما تواصل منظمات دولية توثيقه. فقد رأت منظمة العفو الدولية في تقرير حديث أن عمليات التهجير الواسعة ومنع المدنيين من العودة إلى مناطق في جنوب لبنان قد ترقى إلى جرائم حرب، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها وتعويض الضحايا. وهذا يعزز الخشية أن يتحول البند 13 إلى مادة خلافية كلما طُرحت مسألة المحاسبة الدولية.

هل تملك الدولة حق التنازل؟

دستورياً، تبدو الإجابة أكثر تعقيداً مما توحي به الصياغة السياسية للاتفاق. فالمادة 52 من الدستور تنص بوضوح على أن المعاهدات الدولية لا تصبح نافذة بمجرد توقيعها، بل تحتاج إلى موافقة المؤسسات الدستورية المختصة، وفي حالات محددة إلى إقرار مجلس النواب. وبالتالي فإن الاتفاق، بصيغته الحالية، لا يزال إطاراً سياسياً يحتاج إلى استكمال مساره الدستوري قبل أن يكتسب قوة الإلزام.

غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في آلية إقرار الاتفاق، بل في مضمونه. فالدولة اللبنانية، حتى لو أرادت، لا تملك دستورياً ولا أخلاقياً أن تتنازل عن الحقوق الشخصية للضحايا أو عن حقهم في الوصول إلى العدالة. فهي تمثل الدولة، لكنها ليست صاحبة الدماء التي أُريقت ولا الممتلكات التي دُمّرت، ولا تستطيع أن توقّع باسم آلاف العائلات على إسقاط حقها في المحاسبة.

العدالة ليست بنداً تفاوضياً

في القانون الدولي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. فالقواعد التي تحكم جرائم الحرب وُضعت أساساً لمنع الدول من استخدام التسويات السياسية لإسقاط المسؤوليات القانونية. ولهذا السبب نصت اتفاقيات جنيف الأربع صراحة على أنه لا يجوز لأي دولة أن تعفي نفسها أو أي دولة أخرى من المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.

انطلاقا من هنا، يميز القانون الدولي بين مسؤولية الدولة والمسؤولية الجنائية الفردية. فحتى لو التزمت الحكومة اللبنانية عدم سلوك مسارات قانونية معينة، فإن ذلك لا يسقط المسؤولية عن القادة والعسكريين المتهمين بارتكاب جرائم حرب، ولا يمنع الضحايا أو المنظمات الحقوقية أو حتى دولاً أخرى تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية من مواصلة الملاحقات.

ماذا عن التعويضات؟

لا يقتصر الجدل على الملاحقات الجنائية، بل يمتد إلى حق لبنان في المطالبة بتعويض الخسائر البشرية والمادية التي خلفتها الحرب. فالتفسير الواسع للبند 13 قد يقيّد قدرة الدولة اللبنانية على المطالبة بحقوقها المالية أو رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية، وهو ما تراه أوساط قانونية أحد أخطر مفاعيل الاتفاق إذا ما جرى اعتماده بهذا المعنى.

في المقابل، لا يتضمن الاتفاق أي نص صريح يمنح إسرائيل حصانة قانونية أو يعفيها من المسؤولية عن الجرائم المنسوبة إليها، كما لا يسقط تلقائياً حقوق الضحايا أو حقهم في المطالبة بالتعويض. ولذلك، قد لا تكون المعركة الحقيقية حول نص البند بذاته، بل حول كيفية تفسيره وحدود تطبيقه أمام القضاء الدولي.

في المحصلة، يبدو أن البند الثالث عشر هو الأكثر حساسية في اتفاق واشنطن، لأنه لا يرسم فقط ملامح العلاقة المقبلة بين لبنان وإسرائيل، بل يضع العدالة نفسها أمام اختبار صعب. فهل تستطيع الحكومات، تحت ضغط التسويات السياسية، أن تفاوض باسم الضحايا؟ حتى الآن، يبدو أن القانون الدولي يجيب بالنفي، فيما يبقى الجواب السياسي رهنا بالمرحلة المقبلة وكيفية تنفيذ الاتفاق.

 

الأكثر قراءة

لبنان 6/30/2026 2:24:00 PM
انخفض سعر ربطة الخبز من الحجم الوسط في صالات الأفران للمستهلك على كامل الأراضي اللبنانية إلى 70,000 ليرة لبنانية (بدلاً من 75,000 ليرة لبنانية)
لبنان 6/30/2026 6:10:00 PM
عقوبات جديدة تستهدف "القرض الحسن" و"بيت المال" و16 مسؤولاً في "حزب الله"
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.