تاج أثري عمره آلاف السنين... تقتلعُه الغارات الإسرائيلية
لم تكتفِ الغارة الإسرائيلية القريبة من موقع صور الأثري بإلحاق الأضرار بمبنى قديم استُهدف في محيطه، بل امتدّت شظاياها وارتداداتها إلى أحد أبرز المواقع المدرجة على لائحة التراث العالمي، لتُسقط تيجاناً حجرية عتيقة عن أعمدة صمدت قروناً في وجه الاحتلالات والحروب.
ففي مدينة صور التاريخية، حيث تنتشر الأعمدة الضخمة العائدة إلى العهدين الروماني والبيزنطي، تعلو تيجان مزخرفة تعكس الغنى المعماري الذي ميّز المدينة عبر العصور.
غير أن هذا التاج سقط من مكانه نتيجة الغارة التي وقعت على مقربة شديدة من الموقع، في انتهاك للمعايير الدولية التي تفرض إبقاء العمليات العسكرية على مسافة آمنة من المواقع الأثرية.

وخلال جولة لـ"النهار" مع وزير الثقافة غسان سلامة في مدينة صور، وهي الأولى لوزير إلى المدينة بعد وقف إطلاق النار، حيث جرى الاطلاع على الأضرار التي لحقت بالموقع الأثري المدرج أيضاً على لائحة التراث العالمي المعزّز الحماية.
فهنا عند مدخل الموقع الذي غطّى الركام أجزاءً منه، لا تبدو الأضرار مجرّد تشققات في الحجارة أو تيجان سقطت عن أعمدتها. بل هنا، كل حجر يروي فصلاً من تاريخ مدينة عمرها آلاف السنين، وكل أثر يحمل جزءاً من هويّة المكان وسكانه.
إلى ذلك، تشرح المهندسة وعالمة الآثار ليندا حكيم لـ"النهار" أن "هذا الموقع هو جزء من موقع صور – البص المدرج على لائحة التراث العالمي ولائحة التراث العالمي المعزّز الحماية". وتقول "رغم أن الموقع لم يتعرّض لضربة مباشرة، وقعت الغارة على مسافة قريبة جداً منه عند استهداف مبنى قديم في المنطقة، لذلك، الخطر لا يقتصر على الأضرار الظاهرة للعيان، بل يشمل أيضاً ما قد يكون أصاب الطبقات الأثرية المدفونة تحت الأرض نتيجة الارتدادات والاهتزازات الناجمة عن الانفجار.
وتضيف: "يكمن قلقنا الأساسي في أن تكون الأضرار طالت أيضاً الموروث الأثري غير المنقّب عنه بعد تحت سطح الأرض، وهو أمر يحتاج إلى دراسات وتقييمات متخصصة".

وبحسب حكيم، طالت الأضرار أجزاءً من مدخل الموقع وبعض عناصر الفسيفساء والمكاتب الإدارية، إضافة إلى سقوط أحد التيجان الحجرية عن عموده. وتضيف أن فرق المديرية العامة للآثار تعمل حالياً على إعداد تقرير توثيقي أولي للأضرار، على أن تتبعه مرحلة تقييم أكثر تفصيلاً بمشاركة فرق متخصصة.
وعن إمكان إعادة ترميم العناصر المتضررة، تؤكد حكيم أن ذلك وارد ضمن الخطط التي ستضعها وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار، مشيرة إلى وجود مدارس مختلفة في الترميم تتعامل مع آثار الحروب والأضرار باعتبارها جزءاً من تاريخ الموقع وهويته. إلا أنها تشدد على أن الأولوية حالياً تبقى للتوثيق الدقيق للأضرار وإبلاغ الهيئات الدولية المعنية بحجم الانتهاك الذي طال هذا الموقع التراثي.
ما أصاب الموقع لا يُختصر بخسارة مجرد أحجار وعناصر معمارية أو أثرية، بل يمسّ جزءاً من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للبنان. فبين أعمدة ما زالت واقفة رغم الارتدادات، وتيجان اقتُلعت من أماكنها بعد قرون من الصمود، ينجو التاريخ بقصص السكان. وربما لذلك، حماية الآثار وتوثيق الاعتداءات، ليسا خياراً بل مسؤولية جماعية للحفاظ على ذاكرة لبنان وهويته في مواجهة الحروب والأطماع!
نبض