في رحيل منى خليل... "البيت البرتقالي" يفقد روحه وحارسته (صور وفيديو)
لم يكن رحيل الناشطة البيئية منى خليل مجرد خبر وفاة امرأة كرّست حياتها لحماية السلاحف البحرية وشاطئ المنصوري في جنوب لبنان، بل كان إغلاقاً مؤلماً لفصل من فصول الحرب التي لا تكتفي بتدمير البيوت، بل تمتد لتقتلع الإنسان من ذاكرته وأرضه والأماكن التي شكّلت هويته.

عن النزوح والمستشفى
في "عدد النازحين" الصادر عن "النهار" اليوم، حضرت منى في أكثر من مساحة. كانت حكايتها عنواناً لمقالة حملت اسم "الناشطة البيئية منى خليل... نزوح من البحر إلى سرير المستشفى"، وهو نزوح لم يكن انتقالاً جغرافياً من مكان إلى آخر، بل اقتلاعاً كاملاً لامرأة من عالمها: من البحر الذي بدأت معه صباحاتها، ومن السلاحف التي انتظرت مواسم ولادتها كأمّ تراقب أبناءها، ومن "البيت البرتقالي" الذي لم يكن مجرد منزل، بل ذاكرة أعيد بناؤها بعد خسارة ابنها، ومشروع حياة كرّسته لحماية الطبيعة.
وفي الملف نفسه، كتبت المصممة اللبنانية ورائدة الأعمال سارة بيضون، قريبة منى، مقالتها بعنوان "البيت البرتقالي شُيّد بالمحبة... جرح الذاكرة والأرض المفقودة". لم تتحدث فيها عن منزل هُدم فحسب، بل عن عالم كامل بنته منى بيديها، عن ذلك البيت الذي لم تُشيّده بالحجارة فقط، بل بالحب، وبالعلاقة الحميمة التي نسجتها مع الأشجار والنباتات والطيور والبحر وكل كائن وجد فيه ملاذاً.
عن سارة بيضون والانتظار
خلال الأيام الأخيرة من حياة منى، كنت على تواصل مستمر مع سارة بيضون. كنّا نعرف في أعماقنا أن الوقت يقترب، وأن جسدها الذي قاوم آثار إصابته البالغة لم يعد يحتمل أكثر، لكننا لم نرد أن ننطق بهذه الحقيقة. كنّا نؤجل الاعتراف بالفراق، ونتمسّك بأي تفصيل صغير يبعث الأمل، كما لو أن السلاحف التي أحاطتها منى بكل هذا الحنان كانت تنتظر هي أيضاً عودة المرأة التي أمضت سنوات وهي ترافقها في رحلتها الأولى نحو البحر.
لكن منى لم تعد. انتهت رحلتها بعيداً عن شاطئ المنصوري الذي اختارته وطناً، وعن "البيت البرتقالي" الذي عانى الدمار جراء القصف الاسرائيلي.


رثاء تينا خليل...
وفي وداعها، كتبت مدوّنة الطعام تينا خليل، كلمات اختصرت معنى هذا التعلق النادر بالمكان: "قليلون جداً سيفهمون يوماً لماذا اخترتِ أن تبقي، لكنني أفهم. لم يكن ذلك عناداً، ولم يكن شجاعة مجردة، بل كان حباً. حباً لأرضك، للجنوب، للبحر، للسلاحف، للأشجار، لنباتاتك، للطيور، ولكل زاوية في المنزل الذي أمضيتِ حياتك تحمينه".
وتابعت في رثائها: "كنتِ تنتمين إلى ذلك المكان بطريقة نادرة. بينما رأى الآخرون مجرد مكان، رأيتِ أنتِ عمراً كاملاً من الذكريات والهدف والتفاني. لم تستطيعي أن تديري ظهرك لشيء أحببته بعمق. قلة فقط ستفهم خيارك، لكنني أفهمه، لأنه إذا كان هناك من سيبقى حباً بأرضه، فستكونين أنتِ دائماً يا موني".

ربما لا تحتاج منى خليل اليوم إلى تعريف طويل. فحكاية المرأة التي اختارت حماية أضعف الكائنات على الشاطئ، ولم تتخلَّ عن أرضها رغم الحرب، أصبحت جزءاً من ذاكرة الجنوب نفسه.
رحلت "موني"، لكن البحر الذي أحبته سيحتفظ بأثر خطواتها، والسلاحف التي ساعدتها على الوصول إلى الماء ستبقى شاهدة على امرأة جعلت من حماية الحياة رسالتها الأخيرة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان
نبض