عاشوراء عند الشيعة: 10 أيام من الحزن وتقاليد تعود إلى قرون
"أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا". مذ أطلق جعفر الصادق حفيد الإمام على زين العابدين حفيد الإمام علي بن أبي طالب هذا النداء قبل الألفية الميلادية الأولى، بدأ المسلمون الشيعة بإحياء ذكرى عاشوراء سنوياً، مدى عشرة أيام، تبدأ في الأول من شهر محرّم هجري وتبلغ ذروتها في اليوم العاشر منه، استذكارا لواقعة كربلاء ومقتل الإمام الحسين وأصحابه عام 680 للميلاد، أي قبل نحو أكثر من 1400 سنة. وخلال الأيام العشرة تخليداً لذكراهم، تقام مجالس يتجمع فيها الآلاف لتلاوة ما حصل مع أحفاد النبي محمد خلال معركة كربلاء التي تعدّ من أضخم الأحداث في التاريخ الإسلامي، كما تُحيى شعائر وتستعرض أحداث متصلة بثورة الحسين بن علي ومعانيها الدينية والإنسانية، وتُربط بما يعاش اليوم.
على مرّ السنين، شهدت طرق إحياء عاشوراء تطوّرا وتغيّرا تبعا للظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية. فبينما حافظت المجالس والخطابات الدينية على حضورها الأساسي، تبدّلت بعض الشعائر وأساليب التعبير عن الحزن.
لماذا 10 أيام؟
جيل كامل استفاق على "عاشوراء"، وهي في ذهنه عشرة أيام من الحزن لدى الطائفة الشيعية. ولكن لماذا 10 أيام، علما أن واقعة معركة كربلاء التي حصلت بين الحسين بن علي وأصحابه والخليفة الأموي يزيد بن معاوية بدأت وانتهت في اليوم نفسه في 10 محرم؟
المحاضر والشيخ ربيع قبيسي يقول لـ"النهار": "عاشوراء هي يوم واحد بطبيعة الحال، العاشر من محرم. يمهَّد لهذا اليوم منذ بداية شهر محرم باعتبار أن الحسين دخل مدينة كربلاء بين 2 و3 محرم، ثم استقر بين 5 و6 منه. لقد درج الشيعة على إحياء هذه الذكرى طوال 10 أيام، ولكن ما من نص ديني يقول بذلك".
وبحسب قبيسي "العزاء هو في 11محرم و12 و13 منه، بعد يوم المصيبة الكبرى، وإحياء المجالس في محرم قائم منذ أيام الأئمة، ولا نصوص تؤكد اعتماد 10 أيام أو يوم واحد".
النبطية... مدينة الحسين
تعرف النبطية في الجنوب بأنها من أكثر المدن إحياء للذكرى، إذ تُعدّ من الأشدّ ارتباطاً بالشعائر الحسينية وأكثرها حضوراً في هذه المناسبة، وتشهد سنوياً مجالس دينية ومسيرات عاشورائية حاشدة يشارك فيها عشرات آلاف المواطنين والزوار من كل قرى الجنوب. وطوال عقود، حافظت النبطية على تقاليدها العاشورائية التي أصبحت جزءاً من هويتها الثقافية والاجتماعية، مع تطور أساليب الإحياء وتنوّعها بين المجالس والخطابات والأنشطة الدينية والاجتماعية. وأصرّت على التمسك بالطابع المحلي في الندب واعتماد الأدبيات اللبنانية في النعي، على الرغم من غزوة التقاليد والأشعار والندبيات العاشورائية العراقية والإيرانية مجالس العزاء في سائر المناطق الشيعية اللبنانية.
كذلك اشتهر أبناء النبطية بتنظيم مسيرة في 13 محرم لا في العاشر منه، كما كانت نساء المدينة تاريخياً يقرأن العزاء علانية في الحسينيات، وأشهرهن حسيبة هاشم. أما الآن فاختفت هذه العادة.
ومع عودة بعض أهالي النبطية هذا العام إلى مدينتهم قبل نحو 24 ساعة من بدء شهر محرم، حرصوا على تنظيم المجالس في حسينية المدينة التاريخية كما تنظم مسيرات عزاء بين الشوارع المدمرة جراء الحرب.

إلى كربلاء سيراً
يتجمع آلاف الشيعة عند المراقد والضرائح التي ينسبونها إلى آل بيت النبي محمد، وتخرج حشود كبيرة في مراسم عزاء ضخمة بذكرى عاشوراء، ويتوجه كثيرون منهم إلى كربلاء سيرا، ولا سيما من يسكن العراق.
ويشكل المشاركون سلاسل بشرية ضمن مواكب تعزية تـرفع فيها شعارات وأعلام من وحي المناسبة.
ويرتدي المشاركون في إحياء الذكرى -التي تستمر مراسمها من ساعات الصباح الأولى حتى منتصف الليل- الأكفان، ويضربون بأيديهم على صدورهم ووجوههم، ويستخدم بعضهم الآلات الحادة والسلاسل لإيذاء أنفسهم تعبيرا عن ندمهم على عدم نصرتهم الحسين، وفق معتقدهم.
ويحرص آخرون على إحياء المناسبة بإقامة مجالس العزاء، وتنظيم عرض تمثيلي تاريخي لواقعة المعركة في الساحات العامة، في حضور آلاف المتفرجين.
ويستعين الممثلون بالخيول وبألبسة تاريخية ملونة تميز المعسكرين العلوي والأموي، يتبرع بها أثرياء يتعهدون سنويا بإحياء الذكرى على مساحات واسعة من الأرض، حيث يتجمع الآلاف وسط مكبرات صوت تعرّفهم بسير المعركة وأسماء المتبارزين وتاريخ كل منهم.
نبض