إلى أين هرب النازحون؟ أزمة أعادت رسم الجغرافيا اللبنانية
بدت مساحات لبنان كأنها تضيق بالنازحين. توالت الإنذارات، وتوسعت الإخلاءات، فهرب اللبنانيون إلى أماكن بدت آمنة ظرفياً، وسرعان ما أصبحت مهددة.
إنه المسار الجغرافي والمناطقي المتدحرج للنزوح، الذي أعيد معه تشكيل الخريطة الجغرافية. فكيف بدا التوزّع الجغرافي؟
ترسم "الدولية للمعلومات" خريطة تقريبية للملف. ويكشف الباحث محمد شمس الدين، بالأرقام، الصورة الآتية:
- %30 من النازحين استقبلتهم بيروت.
- %60 استقبلت محافظة جبل لبنان القسم الأكبر منهم، ولا سيما أقضية بعبدا وعاليه والشوف.
- %10 كانت حصة الشمال من النازحين.
مأزق مكاني
لا شك في أن لبنان شهد خلال الحرب الأخيرة نوعاً من المأزق المكاني، وسط تصاعد العمليات العسكرية وتوسّع دائرة الإخلاءات.
ففي الأيام الأخيرة، سجلت أكثر من 45 نقطة جغرافية بين مدن وبلدات وقرى أخليت جنوباً في اتجاه شمال نهر الزهراني، تماماً كما شهدت مدينة صور إنذارات طالت عمق المدينة، إلى جانب قرى أخليت بالكامل شملت نطاق صيدا والزهراني، وامتدت رقعة الإنذارات إلى النبطية وإقليم التفاح.
إلى أين هرب النازحون؟
يلفت شمس الدين إلى أن "نحو مليون و300 ألف نازح توزعوا بين بيروت وجبل لبنان، وانتقل قسم قليل إلى الشمال، فيما استقطبت صيدا نحو 200 ألف، كلما كانت رقعة الإنذارات تتوسع جنوبا".
أصبح تقلّص الخيارات أمراً واقعاً مفروضاً على النازحين. ربما في الحروب السابقة، كان الهامش الجغرافي للجوء أوسع. أما اليوم، فتأتي تطورات الحرب من ضمن أزمة نزوح أثقل.
على مقلب وزارة الشؤون الاجتماعية، وثّقت الوزارة النازحين في مراكز الإيواء المعتمدة رسمياً، فيما العدد الأكبر الذي انتشر مناطقياً، تعدّى بكثير مراكز الإيواء.
وفق تقرير صادر عن رئاسة مجلس الوزراء بعنوان "الاستجابة الوطنية الشاملة للحكومة اللبنانية عن الحرب والنزوح الداخلي"، نحو مليون شخص غادر منزله، من الجنوب والنبطية والضاحية الجنوبية في اتجاه بيروت.
وحتى نهاية أيار الفائت، بلغ عدد النازحين 141 ألفاً و440 شخصاً داخل 692 مركز إيواء.
كان اللبناني في المراحل الأولى للنزوح، يلجأ إلى قرى أكثر أمناً داخل المحافظة نفسها، ولكن مع توسع دائرة الاستهدافات توجه البعض مجبراً إلى مناطق جبل لبنان أو المناطق الشمالية.
في ما يأتي، رسم خريطة تقريبية لحركة النزوح:
- محافظة جبل لبنان: تتصدّر المشهد الجغرافي للنزوح، حيث تستضيف النسبة الأكبر. بالتدرج، أقضية عاليه، والشوف، والمتن وكسروان.
- العاصمة بيروت: تستقبل أعداداً كبيرة في مراكز الإيواء الموزعة في الأحياء والمدارس والمرافق العامة.
- شمالاً: أعداد قليلة من النازحين، في مناطق كطرابلس، والبترون، وزغرتا، والكورة وعكار.
وتستقبل بيروت وجبل لبنان النازحين عموماً من الجنوب، فيما تتحرك قوافل النزوح من البقاع إلى زحلة أولاً، وربما قد ينتقل قسم منهم لاحقاً إلى المتن أو كسروان وجبيل.
وبحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية، تبين الوحدات السكنية المتضررة من الحرب، حتى 8 أيار الفائت، أن 61.056 وحدة دمّرت كلياً أو جزئياً، ما يعني أن حجم الدمار كلّف الكثير بشراً وحجراً... ونتجت منه إعادة تشكيل للنزوح الجغرافي.
هكذا، رسمت الحرب الأخيرة أنماطاً متغيرة من النزوح، لا سيما أن 85% من النازحين كانوا خارج مراكز الأيواء، وحجم الدمار لم يوفر مساحات شاملة من عمق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.
نبض