"نحن مثل السّمك خارج الماء"… شهادة مؤلمة من نازحة حدوديّة
بدأ النزوح عند البعض في الثاني من آذار/مارس، إلا أنّ الواقع يشير إلى أنّ كثيرين ما زالوا نازحين منذ حرب “إسناد غزة” في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وذلك بسبب تعذّر العودة إلى القرى الحدودية في جنوب لبنان.
تستذكر س.م في حديث مع "النهار" حياتها قبل الحرب، حين كانت الحياة "عادية جداً وهادئة”، يستيقظ الناس ويتوجهون إلى أعمالهم، فيما يتجه الطلاب إلى مدارسهم، ثم يجتمع الجيران مساءً في سهرات بسيطة وجميلة. تقول وهي تختصر حنينها بكلمات قليلة: “أفتقد كل شيء، بيتي وأرضي".
منذ ثلاث سنوات، نزحت من قريتها الحدودية. وعن اللحظة التي قررت فيها المغادرة تقول: "مع بداية حرب الإسناد بقينا نحو شهر في القرية، لكن الأمور تطورت تطوراً خطيراً، إذ سقطت قذيفة في قريتنا، ما أدى إلى استشهاد امرأة وابنها. عندها اتخذنا قرار المغادرة نهائياً، وقلنا إن الأفضل أن نغادر قبل أن يصيبنا مكروه أكبر، فخرجنا من القرية".
وتصف الساعات الأخيرة قبل الرحيل بأنها من أصعب اللحظات: "لا أدري كيف أصف هذه اللحظة، تشعرين بأنكِ أغلقتِ باب المنزل وأن العودة ستكون قريبة، دون أن تدري أن الغياب سيكون طويلاً".
"برمنا لبنان"
خلال ثلاث سنوات، تنقلت س.م نحو تسع مرات، وقد "برمت لبنان" على حدّ قولها.
وعن شعورها خلال هذه التنقلات تجيب: "ماذا أقول؟ كنا دائماً نعيش على استعداد دائم للرحيل. لم يكن هناك استقرار حقيقي في أي لحظة، دائماً حقيبة جاهزة لنرحل. كان التنقل صعباً بين مراكز الإيواء أو البيوت المستأجرة، وكانت أغراضنا بسيطة ومحدودة جداً: بعض الملابس والحاجات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها".
وتضيف أنّ الانتقال من مكان إلى آخر كان مرهقاً جداً، ليس فقط جسدياً، بل نفسياً أيضاً، إذ كانت في كل مرة تصل إلى مكان جديد مضطرة للتعرّف إليه من جديد، على الناس والبيئة والعادات المختلفة.

وترى أن هذه التجربة تركت أثراً عميقاً في داخلها: "هي ليست مجرد فترة زمنية عابرة، بل حياة تعيسة، لا أعرف ماذا يحمل الغد، وهل سأعود فأجد منزلي أم أنه سيكون قد هُدم".
لا تخفي س.م حنينها إلى منزلها وذكرياتها وحياتها السابقة: "وين كنا ووين صرنا...". ومع ذلك، تتمسك بالأمل كأمّ تشدّ وثاقها على رضيعها، وتوقن بالعودة كإيمان يعقوب بعودة ابنه يوسف بعد غياب سنين.
وقد وضعت بالفعل خططاً لما بعد انتهاء الحرب وعودتها إلى قريتها: "بالطبع سيكون المنزل مدمراً لأننا من منطقة حدودية، فسيكون أول ما نقوم به البحث عن مكان نستقر فيه موقتاً، ريثما نتمكن من إعادة إعمار بيوتنا والعودة إلى قريتنا كما كانت".
وتختم: "نحن مثل السمك خارج الماء، لا يمكننا أن نعيش بعيداً عن قريتنا في الجنوب".
نبض