في خيمةٍ ضيّقة عند أطراف الطيونة، تنشغل أمّ بتأمين الماء وغسل الثياب، فيما تتمسّك ابنتها بكتابها المدرسي كأنّه آخر ما تبقّى من حياةٍ طبيعية. وبين يدٍ تُقاوم تفاصيل النزوح، وأخرى ترفض أن تترك الدراسة، تتقاطع حكايتان تختصران كيف تدفع الحرب عائلاتٍ كاملة إلى العيش على حافة الاحتمال.
"لم نترك المكان... تركنا الحياة التي نعرفها" عبير الصغير (46 عاماً)، أمٌّ لأربعة أطفال، نزحت مع عائلتها منذ اليوم الثالث لاندلاع الحرب من منزلها في الشياح – المصبغة، إلى خيمة مقابل حرش بيروت. لم تلجأ إلى مراكز الإيواء، مفضّلة البقاء قريبة من بيتها، رغم الخطر.
تقول عبير في حديثٍ لـ"النهار": "صرنا نحمل بيتنا في خيمة، كلّ حياتنا صارت هنا. ومع ذلك، أذهب يومياً إلى المنزل لأغسل ملابس الأطفال وأهتمّ بنظافتهم، كي لا يشعروا بأنّ كلّ شيء قد انهار".
صورة لخيمٍ منصوبة في منطقة الطيونة (النهار).
حين تُجبِر الحرب الناس على ما لا يُحتمل داخل الخيمة، تتبدّل الحياة إلى الحدّ الأدنى. تعتمد العائلة على مبادرات فردية لتأمين الطعام والمياه، فيما يشكّل ضعف الإنترنت عائقاً أمام تعليم الأطفال.
ورغم ذلك، تحرص عبير على الجلوس يومياً إلى جانب ابنتها الكبرى، التي تستعد لامتحانات الشهادة الثانوية، في وقتٍ لا يزال مصيرها بين التأجيل أو الإلغاء. تراجع معها الدروس، وتحاول أن تعزلها، ولو لساعات، عن واقع الخيمة والحرب.
تقول عبير في حديثٍ لـ"النهار": "أريدها أن تُكمل… ربما يكون هذا الشيء الوحيد الذي لا يزال طبيعياً في حياتها"، لكنّ تفاصيل الحياة اليومية لا تترك مجالاً كبيراً لهذا "الطبيعي".
وعن واقعهم اليومي في الخيمة، تضيف بسخريةٍ مرّة: "في الشتاء كنّا نغرق، أمّا اليوم في الصيف فنكاد نحترق، هكذا هي حياتنا في الخيمة".
أمّا الليل، فيحمل مشقّة إضافية، إذ تضطر العائلة لاستخدام حمّام الحديقة القريبة، في تفاصيل يومية تختصر قسوة النزوح.
صورة لابنة عبير أثناء دراستها داخل الخيمة (النهار).
"عشت الحرب... وأطفالي يكملونها" تختصر عبير وجعها بعبارة: "ولدت وعشت الحرب، واليوم أطفالي يعيشونها". ورغم ذلك، لا تزال تحاول أن تحمي ما يمكن حمايته: تعليم أولادها، واستمرار حياتهم، ولو داخل خيمة.
قصة عبير ليست استثناءً، بل صورة مكثّفة عن عائلات كثيرة، وجدت نفسها مجبرة على التكيّف مع واقع لم تختره، حيث تفرض الحرب خيارات قاسية، وتحوّل أبسط الحقوق إلى معركة يومية.
صورة لخيمةٍ ودراجةٍ هوائية في منطقة الطيونة (النهار).