حين طرح الحياد للمرة الأولى عام 2020... سلاح "حزب الله" العائق الأساسي
وسط الأزمات، يعود إلى الضوء الحياد الإيجابي، لتحصين لبنان من "التوريطات" الخارجية. هذه المبادرة ليست بجديدة، بل تعود إلى ستة أعوام خلت، حين أعلنها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في صيف 2020.
وبالأمس، أعاد الراعي تأكيد مبدأ الحياد، بل ربطه بمصير الوطن، قائلاً: "لا يمكن لبنان أن يؤدي رسالته الفريدة ما لم تعلنه الأمم المتحدة دولة حيادية بمفهومها الإيجابي الناشط". فهل يُكتب النجاح لهذه المعادلة؟ وكيف؟
6 أعوام ... ومراحل
في 5 تموز 2020، أطلق الراعي "مبادرة الحياد الناشط"، ثم عاد في 17 آب 2020 وكرّسها ضمن نداء أو مذكرة مكتوبة رسمياً بعنوان: "مذكرة لبنان والحياد الناشط"، بمرتكزات ثلاثة: "عدم دخول لبنان الصراعات الخارجية، منع استخدام الأراضي اللبنانية في النزاعات الإقليمية، تعزيز الدولة ومؤسساتها الشرعية وجيشها لتكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن الدفاع والسيادة".
في التعريف، يرى الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشمّاعي أن "الحياد الإيجابي الناشط هو عندما تمتنع الدولة عن الانخراط في النزاعات أو أن تكون جزءاً من المحاور العسكرية، وحتى السياسية، شرط أن تمارس دوراً ديبلوماسياً فاعلاً في الوساطة بما يعزز قيم السلام الدولي، فتبقى دولة سيدة حرة مستقلة".
حين طرحت الفكرة للمرة الأولى، كان لبنان يشهد أزمة حادة بفعل الانهيار الاقتصادي والمالي عام 2020. عامذاك، كان التوتر قد تصاعد بين لبنان ومحور "المقاومة" من جهة والولايات المتحدة ودول عربية من جهة أخرى. فكان لا بد من مواجهة هذا "التوريط" في اتجاه معاكس، لأن "انخراط لبنان في صراعات المنطقة ساهم في عزله عربياً ودولياً وأعاده قروناً إلى الوراء".
إلى 2025، مرّت أعوام خمسة ولم تتحرك مبادرة "الحياد". بقيت نصاً مكتوباً. ثم دعّمت باقتراحات قوانين، قدّمت أحدها النائبة بولا يعقوبيان في أيار 2025، ثم النائب سامي الجميل في تشرين الثاني 2025، حين أعلن اقتراح قانون وقّعه عشرة نواب، يقضي بتعديل دستوري "لإدخال مبدأ الحياد في مقدمة الدستور". وبقيت الاقتراحات في أدراج البرلمان. من دون إدراجها في جدول أعمال أيّ جلسة!
لماذا لم تنجح المبادرة؟
على الرغم من دعم قوى سياسية مسيحية لمبادرة الراعي، فإن عوائق عدة رفعت في وجهها، أبرزها رفض "حزب الله" وحلفائه الفكرة باعتبار أن لبنان لا يستطيع أن يكون محايداً في مواجهة إسرائيل أو قضايا المنطقة. ولعل السبب الأول لإخفاقها هو غياب الإجماع الوطني على مفهوم الحياد وآليات تطبيقه، والأهم عدم وجود سلطة سياسية تؤمن بهذا الحياد، بل إنها تركت "حزب الله" يرسّخ دويلته في قلب الدولة، ويمعن في تدعيم سلاحه.
وفق الشماعي "على لبنان أن يتحوّل من دستور عقيم أنتج ما أنتجه من صراعات ونزاعات حول تناتش الدولة المركزية، وجعلها غنيمة للأطراف السياسيين الذين استثمروا في الأحلاف الدولية، إلى دستور يثبّت الحياد أولا في الوطن، ومن ثم يجب تثبيت هذا الدستور في الأمم المتحدة. فلا يمكن ترجمة الحياد ما لم يكن النظام اتحاديا، ليضمن الحد الأدنى من الحريات لكل المكونات. إن الصيغة الحيادية لا يمكن أن تتماشى إلا مع النظام الاتحادي القائم على الفيديرالية، واللامركزية الإدارية الموسعة".
ويتدارك: "الركيزة الأساسية للحياد هي أن تتحول الدولة إلى مركز للحوار لا أن تكون طرفا في الصراعات. هذا ما يتماشى تماما مع التعريف الحديث للدولة اللبنانية الذي أعطاها إياه البابا يوحنا بولس الثاني، وهو أن لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة. هذه هي الرسالة التي عناها البابا، وهي رسالة السلام".
كيف السبيل إلى ترجمة الحياد؟
يشرح الخبير الدستوري الدكتور سعيد مالك أن "إعلان حياد لبنان يحتاج إلى سلسلة تدابير، أولها تعديل الدستور، ولا سيما الفقرة "ب" من مقدمته، من أجل إعطاء لبنان مساحة من الإمكان البعيد عن أي التزام عربي وغير عربي. ثم، يفترض بالحكومة اللبنانية الطلب من مجلس الأمن والأمم المتحدة إعلان الحياد. وهذا الأمر يتطلب توافقاً على صعيد المنطقة ولا سيما دول الجوار من أجل نجاح تحييد لبنان عن أي نزاعات".
نبض