ديناميات التّهريب في بعلبك-الهرمل: التّعقيدات الجغرافيّة وإجراءات الضّبط العسكري

لبنان 03-06-2026 | 15:59

ديناميات التّهريب في بعلبك-الهرمل: التّعقيدات الجغرافيّة وإجراءات الضّبط العسكري

أعادت الحادثة الأخيرة التي أسفرت عن مقتل اللبناني عمران الحجيري تسليط الضوء على خطورة المسالك الجردية
ديناميات التّهريب في بعلبك-الهرمل: التّعقيدات الجغرافيّة وإجراءات الضّبط العسكري
الحدود اللبنانية - السورية كما تبدو من الداخل السوري في منطقة البقاع الشمالي (لينا إسماعيل)
Smaller Bigger

تفرض الطبيعة الجغرافية للحدود اللبنانية-السورية في منطقة بعلبك-الهرمل تحديات أمنية بالغة التعقيد؛ حيث تتداخل التضاريس الجبلية الوعرة مع السهول المفتوحة لتشكل مسرحاً لشبكات التهريب. وبين الطموح العملياتي لإغلاق الحدود بالكامل والواقع الجغرافي الذي يجعل الانضباط المطلق أمراً مستحيلاً، تبرز جهود الجيش اللبناني ومديرية المخابرات كأداة ردع أساسية نجحت في تقليص الأحجام المهربة، وتحويلها من شحنات ضخمة إلى مسارب ضيقة ومحدودة.

 

حادثة الجرود الأخيرة: أبعاد ميدانية

أعادت الحادثة الأخيرة التي أسفرت عن مقتل اللبناني عمران الحجيري تسليط الضوء على خطورة المسالك الجردية. 

 

وفق مصدر أمني لـ"النهار "، الحجيري سلك بسيارته منطقة "وادي العوايني" في جرود عرسال متوجهاً نحو العمق السوري، حيث وقع في كمين محكم نصبته قوة من الأمن السوري، وأدى تبادل إطلاق النار إلى إصابته بطلقة قاتلة في الرأس.

 

وتمكن مرافقه من نقل الجثة والعودة بها إلى الأراضي اللبنانية. تؤكد الحادثة التي وقعت داخل الأراضي السورية الخطورة العالية المحيطة بمسالك التهريب نتيجة تفعيل الكمائن على جانبي الحدود، ما يثبت أن الجرود لم تعد ممرات آمنة للشبكات الخارجة عن القانون بفعل الانتشار العسكري المتقابل.

 

 الحدود اللبنانية - السورية كما تبدو من الداخل السوري في منطقة البقاع الشمالي (لينا إسماعيل)
الحدود اللبنانية - السورية كما تبدو من الداخل السوري في منطقة البقاع الشمالي (لينا إسماعيل)

توزيع المهام الميدانية وخطوط المواجهة

 

يتوزع الجهد العسكري للجيش اللبناني عبر أفواج الحدود البرية بالتنسيق مع مديرية المخابرات، حيث تم تقسيم واقع الضبط الميداني إلى قطاعات أساسية بناءً على طبيعة الأرض:
 الفوج الرابع: يمتد نطاقه من معربون مروراً ببعلبك إلى عرسال، ويتولى مسؤولية المحيط الجبلي الجنوبي والشرقي لضبط الحدود، ومكافحة تهريب المخدرات والأسلحة، وتوقيف المطلوبين ومنع التسلل.
 فوج الحدود البرية الثاني (القطاع الشمالي والسهلي): يمتد نطاقه من وادي العوايني شمالاً وصولاً إلى مشاريع القاع والقصر، ويقاوم تهريب الأشخاص والبضائع المختلفة (خضار، فواكه آسيوية، نحاس، دخان، بالة، وبطاريات ليثيوم).
 قطاع الهرمل والقصر: ينشط العمل ضمن المناطق السهلية والمجاري المائية لمكافحة وضبط تهريب الأشخاص والمخدرات عبر الحدود المائية.

يكمن الفارق الجوهري في آليات الضبط بين القطاعات في جغرافية الأرض؛ فالتهريب عبر الجرود الجبلية يواجه عوائق طبيعية قاسية تجعل الكميات المنقولة صغيرة الحجم وعلى متن دراجات نارية أو بيك آبات. في المقابل، تمنح الطبيعة السهلية لمشاريع القاع وحتى معبر السيد علي المهربين مرونة أعلى، ما دفع مديرية المخابرات في الهرمل إلى تكثيف وجودها المركّزة لتشديد الخناق، وعلمت "النهار" عن توقيف مخابرات الجيش في الهرمل 300 سوري وضبط كمية ضخمة من إنفرترات كهربائية وبطاريات ليثيوم.


تهريب الأشخاص وواقع الترحيل اليومي

يشكل ملف تهريب الأشخاص استنزافاً مستمراً، وتتركز العمليات الكثيفة في النقاط السهلية المنبسطة، لا سيما عند "جسر نسوان" ومحيطه ضمن مشاريع القاع حيث يتم العبور سيراً أو بمركبات صغيرة.

 

أما في قطاع عرسال، فقد تراجعت الأعداد نتيجة الإجراءات المشددة من قبل مكتب راس بعلبك في مخابرات الجيش، رغم محاولة المهربين استغلال حركة العمال الزراعيين وتشابه الأسماء المسجلة لدى الجانبين.

 

وتقوم مديرية المخابرات بترحيل ما يقارب 100 شخص سوري يومياً ممن يتم توقيفهم عبر قطاع مشاريع القاع، ونحو 20 شخصاً يومياً في قطاع عرسال. 
وتتم ملاحقة من ينجح في تخطي الحدود وتوقيفهم عند نقاط التدقيق الخلفية الثابتة، وتحديداً على حاجزَي حربتا ورأس بعلبك.

 

تغير أنماط التهريب اللوجستية


أدت الصرامة الأمنية إلى انعدام تهريب المحروقات عبر الصهاريج الكبيرة بالكامل. ولجأ المهربون بدلاً من ذلك إلى استخدام بيك آبات صغيرة لحمل كميات محدودة (مثل شحنات النحاس التي تزن حوالي 20 طناً للآلية). 

 

وإذا تحركت مجموعة من 40 بيك آب، تنجح الكمائن المتقدمة في ضبط 3 إلى 4 آليات مباشرة، وتجبر البقية على التراجع بسبب إغلاق السواتر والإجراءات اللوجستية، وتحول المشهد أحياناً إلى مواجهات مسلحة جراء إصرار عناصر الجيش على تطبيق تعليمات المنع.

 

ضربة جرد الساعة: أبعاد نوعية وأهمية استراتيجية

 

في إطار المواجهات مع كارتيلات المخدرات الدولية، علمت "النهار" أن عناصر فوج الحدود البرية الرابع رصدت في منطقة "جرد ساعة" التابعة لجرود بريتال تحركات مشبوهة لمهربين عند الخط الحدودي، ونفذت عناصر الفوج كميناً محكماً باغت دراجتين ناريتين محملتين بالبضائع، وصادرت شحنة ضخمة ناهزت قيمتها السوقية التقديرية مليون دولار أميركي كانت متوجهة إلى سوريا كخط عبور رئيسي باتجاه دول الخليج العربي. واشتملت المضبوطات على:

  أكثر من 90 كيلوغراماً من مادة حشيشة الكيف.

 ما يفوق 9 آلاف حبة من مخدر الكبتاغون المخبأة داخل علب عصير صغيرة (Mister Juice).

 كميات مركزة من مادتي الهيرويين والكوكايين الموضبة داخل علب مغلقة.

 

وتكتسب عملية "جرد الساعة" أهمية أمنية واستراتيجية بالغة؛ كونها تشكل ضربة قاصمة لشبكات التمويل اللوجستي لعصابات التهريب المنظم، وتثبت قدرة الجيش على قطع شريان الإمداد العابر للحدود الذي يغذي أسواقاً إقليمية وخليجية.
 كما تعزز هذه العملية الأمن الوقائي للداخل اللبناني والمجتمع الدولي من مخاطر تدفق هذه السموم. وتتكامل هذه الجهود مع حصيلة توقيفات الفوج الرابع التي بلغت خلال الشهر الماضي وحده أكثر من 30 شخصاً، من بينهم 5 أشخاص خطرين صادرة بحقهم ملاحقات تتعلق بالإرهاب.

 

ومن اللافت أيضاً نجاح الفوج في ضبط منطقة طفيل ومعربون وبريتال بنسبة 90%، حيث يقتصر التحرك في منطقة طفيل على تلاميذ المدارس الذين يدخلون ويخرجون باتجاه عسال الورد السورية.

في المحصلة، إن ضبط حدود بعلبك-الهرمل ليس مجرد معركة عسكرية تقاس بعدد الآليات والمداهمات، بل هو تحدٍّ بنيوي يتطلب حضور الدولة الإنمائي. إن السيطرة الأمنية الفعالة التي يفرضها الجيش ومخابراته بحاجة ماسة إلى ركيزة اقتصادية تحميها، فضبط الحدود بنسبة 100% هو وهم جيو-سياسي لا تطبقه كبرى الدول؛ إلا أن التقييم المهني لعمل الجيش والمخابرات يؤكد أن الحدود تحت السيطرة الفعالة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
فن ومشاهير 5/31/2026 5:10:00 PM
حسين فياض: "هنا كان مطعمنا بقلب الجنوب العزيز. مكان جمعنا ذكريات وضحكات وتعب سنين".
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.