أهمية الديبلوماسية العلمية والهيدرودبلوماسية ودورها في عملية بناء السلام في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط
البروفيسور فادي جورج قمير *
الديبلوماسية المائية والعلمية في لمحة: أداة للبناء على أساس التعاون الإقليمي
تعتبر الديبلوماسية المائية والعلمية أداة في خدمة بناء إدارة متكاملة للموارد المائية، الوطنية وعبر الوطنية، وفقًا لنموذج تعاوني. تهدف الديبلوماسية المائية إلى بناء شكل جديد للحكم يطمح إلى بناء السلام، وهي عملية للوقاية من النزاعات حول المياه والوساطة لحلّها. والغاية من ذلك هي استبعاد جميع أشكال الهيمنة من قبل أيّ بلد على آخر، وإبعاد العسكرة عن الوصول إلى مصادر المياه ورفض مفهوم الإدارة المهيمنة على المورد. ولتحقيق غاياتها، تحشد المعالجة المائية كلاً من الكفاءة العلمية والخبرة العملية والفنية والديبلوماسية. فهي تجمع بين الديبلوماسيين والخبراء العلميين والأكاديميين وواضعي السياسات على مستوى الأحواض العابرة للحدود من أجل الوصول إلى الاستخدام العادل والمعقول للمياه من أجل تحقيق المنفعة المتبادلة بين البلدان والمناطق المتشاطئة.
وحيث إنّه من الضّروري الإشارة إلى أنّ الديبلوماسية المائيّة ليست ديبلوماسيّة "بديلة" تستبدل صنّاع القرار الوطني، بل هي تشكّل مجموعة مفاهيم وآليّات عمل، وتعاون بين الخبراء المعنيّين، من أجل عرضها بوسيلة واعية ومتماسكة، عند بحث القضايا والمشكلات المائيّة الحيويّة والملحّة بغية إيجاد حلول لها، مع الأخذ بعين الاعتبار وجهات النظر، وتطلّعات أصحاب المصلحة في الأحواض العابرة للحدود غير التابعين للدولة (السلطات المحليّة، والمجتمعات، والقطاعات الاقتصاديّة، والمجتمع المدني بشكل عام) في كل البلدان المشاطئة من أجل تنفيذ التدابير المتّفق عليها لإدارة الأحواض.
إنّ المفهوم الأساسي في توجّه الديبلوماسية المائيّة يستند إلى مبدأ "التّقاسم العادل والمنصف لمنافع المياه". ويصبح مثل هذا التوجّه في السياسة جزءًا لا يتجزّأ من استراتيجيّة التّكيّف مع تغيّر المناخ، ويلعب دورًا مهمًّا في تحديد الأولويّات لتطوير وإدارة الأحواض العابرة للحدود. ولكن ينبغي إحاطة، وتشجيع الديبلوماسية المائيّة والعلمية مع تيسيرها بدعم، واستخدام الأطر المؤسّساتية الدوليّة المناسبة بالتوازي مع الحوار والتعاون على أساس التقاسم العادل، والاستخدام الرّشيد للمياه في الأحواض العابرة للحدود.
وحيث إن لبنان يواجه تحدّيات كبيرة بالمواجهة مع إسرائيل على حوض نهر الأردن فهو بحاجة ماسّة إلى المحافظة على حقوقه المائية الدولية وتنفيذ المشاريع المقرّرة، خاصةً بعد مباشرة المحادثات التفاوضية التي بدأت في واشنطن برعاية أميركية في نيسان الماضي بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي؛ في البداية على مستوى السفراء، والتي ستُستكمل لاحقًا في محاولة لإبرام اتفاق ينهي حالة الحرب، التي ألقت بثقلها على لبنان، وسبّبت أضرارًا كبيرة، كما نتج عنها آلاف الضحايا من قتلى وجرحى ونازحين وتدمير كلّي للبنى التحتية. وقد تبيّن أنه من أحد بنود التفاوض عودة النازحين إلى قراهم وإعادة الإعمار؛ وهذان البندان - بشكل خاص - يستدعيان الانتباه إلى أن أيّ اتفاق يجب أن يأخذ بعين الاعتبار حق لبنان في الاستفادة من مياهه الدولية، والتي لطالما شكّلت محطات خلاف عدة نوجزها كالآتي:
بالنسبة إلى حوض نهر الأردن:
منذ البداية، اعتمد لبنان مبدأ الديبلوماسية المائية والعلمية واتخاذه الأمم المتحدة مظلة دولية لحماية حقوقه المائية. تمكّن لبنان من السيطرة على أزمة الوزاني التي كانت إسرائيل قد أنذرت بتدمير المنشآت المائية اللبنانية؛ وهذا ما دفع بلبنان إلى إرسال تقرير رسمي، مشيرًا إلى مبادئ الاتفاقية وأهمية إنشاء سد إبل السقي على حوض نهر الأردن الأعلى.
إنّ الانضمام، والتصديق، والتنفيذ السليم لاتّفاقيّة الأمم المتّحدة لعام 1997 حول حقّ استخدام المجاري الدولية المشتركة للأغراض غير الملاحية، واتّفاقيّة UNCE 1992 حول حماية واستخدام مجاري المياه العابرة للحدود، والبحيرات الدوليّة، اللّتين تشكّلان أساس القانون الدولي المائي، هو أمر يشكّل أساسًا، وركيزة ذات أهميّة أساسيّة لتطوير الديبلوماسية المائيّة والعلمية، والتعاون الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وتسهيل إقامة قنوات تواصل عاديّة للديبلوماسيّة المائيّة بين البلدان المُشاطئة.
كما أنّ الاتّفاقيّات كافّة، والعمليّات الدوليّة، والإقليميّة المناسبة، والمبادرات التي تتعلّق بقضايا المياه، والإدارة المتكاملة للموارد المائيّة، والمناطق السّاحليّة، وطبقات المياه الجوفيّة، والتكيّف مع تغيّر المناخ، مثل اتّفاقيّة برشلونة، وبروتوكولاتها ذات الصلة، والاتّحاد من أجل المتوسّط، إنّما شكّلت أدوات وأطرًا وآليّات أساسيّة للديبلوماسيّة المائيّة في المنطقة.
نموذج لبناني على نهر العاصي:
كان مفتاح هذا النجاح تطبيق كلّ من لبنان وسوريا لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 كإطار قانوني، ومتابعة مسار تقنيّ ومؤسّسيّ يهدف إلى إنشاء منظمة للأحواض. فقد عمد إلى تطبيق مفهوم "الديبلوماسية المائيّة" المبنية على العلم والمعرفة والخبرة. وهو المفهوم الذي بادرتُ إلى إطلاقه وتطويره في مطلع التّسعينيّات من القرن الماضي، خلال مسيرتي العملية في لبنان، سواء في مجلس إدارة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أم في المديرية العامّة للموارد المائية والكهربائية. فقد أصدرت المديرية العامة للموارد المائية والكهربائية، التي تولّيت فيها مهامي كمدير عام منذ عام 1999، من خلال منظمة اليونيسكو عام 2015، كتاباً اعتمد لديها كنموذج مثالي للتفاوض حمل عنوان : "الديبلوماسية العلميّة وإدارة المياه العابرة للحدود: حالة نهر العاصي"، حيث طرح لبنان من خلاله مبدأ التعاون الدولي حول المياه بدلاً من الهيمنة. كما كان هذا الكتاب أيضًا فرصة لليونسكو لتبنّي مفهوم ديبلوماسية المياه لإرساء مبدأ التقاسم العادل والمنصف وفرضه في المفاوضات.
يُعدّ هذا النّهج اليوم أكثر أهمّيّة من أيّ وقت مضى لدول الشّرق الأوسط، وتحديداً للبنان، في سياق المفاوضات الحاليّة والتّحديّات المرتبطة بإعادة الإعمار الوطنيّ، والأمن الغذائيّ، والاستقرار في المنطقة عامَّةً، وفي لبنان وجنوبه خاصَّةً.
التّغيّر المناخيّ وآثاره على منطقة الشرق الأوسط:
تقف منطقة الشّرق الأوسط اليوم في خطّ المواجهة الأوّل في مواجهة حالة الطّوارئ المناخيّة. وهو واقع يثير القلق، وأكّدته الدّراسات المعمّقة التي أُجريت في إطار "مبادرة المناخ" التي أطلقها معهد قبرص (Cyprus Institute) في أعقاب مؤتمر (21 COP). وقد أظهر تقرير "مجموعة العمل الخاصة بالمياه"، الّتي تشرّفتُ بقيادتها ضمن هذه المبادرة، المستند إلى دراسات علمية حول منطقة شرق المتوسّط والشّرق الأوسط، لزملاء لي في معهد قبرص، اختلالاً كبيرًا في معدّل درجات الحرارة السّنويّة مقارنة بالفترة المرجعيّة 1986- 2005.
وبالفعل، فإنّ منطقتنا تتّجه نحو مواجهة ارتفاع حادّ ومستمرّ في معدّلات درجات الحرارة بحلول نهاية القرن، قد يصل أو يتجاوز الـ 5 درجات مئويّة. لا شكّ في أنّ تأثير هذا التطرّف المناخيّ على دورة المياه مباشر ومدمّر، وخير مثال على ذلك ما حصل في درنة في ليبيا، وأثينا في اليونان، عام 2023. فالتّغيّر المناخيّ يؤثّر بشكل كبير على أنماط هطول الأمطار، ممّا يؤدّي إلى حدوث موجات جفاف وفيضانات أكثر تكراراً وشدّة. وبالموازاة مع ذلك، يؤدّي الارتفاع المستمرّ في درجات الحرارة إلى تسريع معدلات التّبخّر، ممّا يقلّل بشكل حادّ من توفّر موارد المياه السّطحيّة والجوفيّة. ومن شأن ذلك أن يؤدي حتماً إلى انهيار القطاع الزّراعيّ وتهديد حقيقي للأمن الغذائيّ.
وأمام هذا التهديد الوجودي للسكان المحليّين، أصبح من الضّروري والمُلِحّ التحرّك. ولهذا السّبب، وتحت الرئاسة اللبنانية للبرنامج الهيدرولوجي الحكومي الدولي التابع لليونسكو (UNESCO-IHP)، تمّ اعتماد قرار بإنشاء "أكاديمية إيكوميد" (ECOMED Academy) التي سيحتضنها معهد قبرص كمؤسّسة مضيفة، وتشارك في استضافتها جامعة البلمند. وستكون المهمّة الأساسيّة لهذه الأكاديمية تدريب البلديات على تولّي إدارة هذه الظواهر المتطرّفة والتّعامل معها، من أجل تعزيز مرونة وتكيّف مناطقنا المحلّية على المدى الطويل.
وانطلاقاً من هذه المكتسبات الاستراتيجيّة، اتّخذنا خطوة تاريخيّة جديدة بإطلاق "تحالف المناخ"، وهو ائتلاف واسع النّطاق يضمّ حالياً جامعة البلمند وجميع دول جنوب شرق البحر الأبيض المتوسّط ضمن أكاديمية "إيكوميد". وتتلقى هذه الأكاديمية، التي يقودها بالتشارك بين معهد قبرص وجامعة البلمند كمؤسّستين مستضيفين، دعماً اليوم من خلال مبادرة كبرى تمثّـلت بإنشاء جامعة البلمند لـ "مركز ديبلوماسية المناخ والسلام المستدام" (Climate Diplomacy and Sustainable Peace UOB-CDSP Hub). وستكون مهمة هذا القطب المتميّز ضمن التّحالف دمج الأبحاث العلميّة المتقدّمة بالمفاوضات الدولية، ليفرض نفسه كمُحرّك إقليميّ جديد لديبلوماسيّة المناخ وبناء السلام المستدام.
أهمّية نهر الليطاني في الأمن الغذائي اللّبناني:
يمثّل نهر اللّيطاني العمود الفقري لحياة اللبنانيين. وباعتباره ركيزة مائيّة وزراعيّة وطاقة حقيقيّة للبلاد، فإنّ دوره يتجاوز بكثير مجرّد الوظيفة الهيدروليكيّة، ليكون رمزاً للحياة وركيزة ورافعة لإعادة إعمار جنوب لبنان.
ومن أجل الحفاظ على هذه الجوهرة الوطنية تحديداً، بادرتُ وقدّمتُ، في إطار الخطّة الخمسيّة لليطاني، مشاريع إنمائيّة مائيّة زراعيّة كبرى. وقد تجسّدت هذه الرّؤية من خلال اتّفاقية القرض التي تفاوضتُ عليها عام 1994 مع البنك الدّولي. وسَمَحَت هذه الاتفاقية التاريخية بالتّخطيط لريّ 37,000 هكتار في جنوب لبنان، و32,000 هكتار في سهل البقاع، تمتدّ من بحيرة القرعون وحتّى تربل. هذا بالإضافة إلى تأهيل وتطوير عشر مناطق ريّ استراتيجيّة موزّعة في عكّار وجبل لبنان، بما في ذلك مناطق العاقورة، وتنّورين، وبساتين العصي.
وفضلاً عن أبعادها التّقنيّة والماليّة، شكّلت المفاوضات حول هذه الاتّفاقية انتصاراً قانونيّاً جوهريّاً لسيادتنا. فالنّصّ الأصليّ الّذي قدّمه البنك الدولي كان يتضمّن بنوداً غامضة تشير إلى حقوق مزعومة لـ "دول مُشاطئة" في مياه اللّيطاني. وقد اعترضتُ بشدّة على هذه الصّياغة الّتي كانت تُهدّد بتدويل مجرى مائيّ هو في الواقع مجرى وطنيّ صرف. وبدعم سياسيّ حاسم من دولة رئيس الحكومة آنذاك الشيخ رفيق الحريري، نجحنا في تعديل هذه النصوص بالكامل، لتوثّق وتصادق المؤسّسات المالية الدولية بشكل نهائي على الهويّة اللبنانيّة الصرفة والكاملة لنهر الليطاني.
مشروع سد إبل السقي: لجنوب لبنان
في السّياق نفسه، اقترح لبنان مشروع إنشاء سدّ إبل السّقي، وهو رؤية استراتيجيّة كبرى لتنظيم تدفّقات المياه في أعالي حوض الأردن. وتحقيقاً لهذه الغاية، دُرست ثلاثة خيارات تقنيّة: سدّ أول بسعة 30 مليون متر مكعّب، وخيار ثانٍ بسعة 50 مليون متر مكعب، وأخيراً صيغة بسعة 80 مليون متر مكعب تتيح تنظيماً أمثل للحوض.
واستهدف هذا المشروع أهداف استراتيجية أساسيّة عدة، مثل إعادة إعمار قرى الجنوب، والتّنمية الزراعيّة، والأمن الغذائيّ، وتثبيت السكان الريفيين. واستنادًا الى أحكام اتفاقية عام 1997، أُرسل إخطار رسمي بهذا المشروع إلى الجانب الإسرائيليّ عبر الأمم المتّحدة. وشكّلت هذه الخطوة تطبيقاً نموذجياً لقانون المياه الدولي ولمبدأ الشفافيّة بين الدول المُشاطئة.
في الختام، في وقت يمرّ فيه الشّرق الأوسط بتحوّلات جيوسياسيّة كبرى، ويعاني من حاجة متزايدة إلى الموارد الطبيعية، تبرز الديبلوماسية العلميّة اليوم كإحدى أقوى الأدوات للوقاية من الأزمات وكعنصر أساسي للحوار مساعد في عملية بناء السّلام وليس كعامل للمواجهة. ويملك لبنان اليوم فرصة تاريخية لتعزيز رؤية إقليمية جديدة وقوية، قائمة على الديبلوماسية المائية والعلمية، واحترام القانون الدولي، والتعاون المائي النشط، وترابط المياه والطاقة والغذاء، وإعادة الإعمار المستدام.
* أستاذ ومستشار للتنمية المستدامة في جامعة البلمند ، عضو المجلس التنفيذي لمبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط (Blue Peace)
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.
نبض